وهكذا تسقط جميع الفوارق ، وتسقط جميع القيم ، ويرتفع ميزان واحد بقيمة واحدة ، وإلى هذا الميزان يتحاكم البشر ، وإلى هذه القيمة يرجع اختلاف البشر في الميزان .
وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض ، وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس ، ويظهر سبب ضخم واضح للُالفة والتعاون : ألوهية اللّه للجميع ، وخلقهم من أصل واحد .
كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته : لواء التقوى في ظلّ اللّه .
وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية من عقابيل العصبيّة للجنس ، والعصبية للأرض ، والعصبية للقبيلة ، والعصبية للبيت . وكلّها من الجاهلية وإليها ، تتزيّا بشتّى الأزياء ، وتسمّى بشتّى الأسماء . وكلّها جاهلية عارية من الإسلام .
وقد حارب الإسلام هذه العصبية في كلّ صورها وأشكالها ، ليقيم نظامه الإنساني العالمي في ظلّ راية واحدة : راية اللّه ، لاراية الوطنية ، ولا راية القومية ، ولا راية البيت ولا راية الجنس . فكلّها رايات زائفة لا يعرفها الإسلام .
قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله : « كلّكم بنو آدم ، وآدم خلق من تراب . ولينتهينّ قوم يفخرون بآبائهم ، أو ليكونوا أهون على اللّه تعالى من الجعائل » .
وقال صلى الله عليه وآله عن العصيبة الجاهلية : « دعوها فإنّها منتنة » .
وهذه هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي ، المجتمع الإنساني العالمي ، الذي تحاول البشرية في خيالها المحلّق أن تحقّق لونا من ألوانه فتخفق ، لأنّها لا تسلك إليه الطريق الواحد المستقيم ، الطريق إلى اللّه ، ولأنّها لا تقف تحت الراية الواحدة المجمعة :
راية اللّه . « 1 »
* * * وروي : أنّ النبي صلى الله عليه وآله خطب الناس يوم فتح مكّة ، وهو على راحلته ، فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله . ثمّ قال :
هامش
( 1 ) - في ضلال القرآن ، المجلّد 7 ، ص 537 ؛ ومجمع البيان ، ج 9 ، ص 537 .