تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
النسب والأصالة الذاتية ، الكائنة في كلّ أبناء آدم وحوّاء ؟ كلّا ثمّ كلّا . نعم ، إنّ الذي يفيده هذا الاختلاف في المعيشة وأسبابها وسائر أنحاء الاختلاف إنّما يفيد تعارفا وتفاهما بين الشعوب ، فتتعرّف كلّ امّة ما اكتسبته امّة أخرى من علوم ومعارف وفنون ، وآداب وأخلاق وسلوك ، فيختاروا أحسنها وأنسبها بالحالة التي هم عليها .
« فَبَشِّرْ عِبادِ . الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ » .
« 1 » فلا فضل لُامّة على أختها ولاشعب على آخر ، إلّا بمقدار تعهّداتها في الحياة ، ورعايتها للكرامة الإنسانية العليا . لاشرف إلّا بالتقوى وهو التعهّد بمبادئ الإنسانية الكريمة ، على شرط أن لا يفخر المتفضّل على غيره ، وإنّما يترخّم عليه لينتشله ويأخذ بيده صُعدا على مدارج الكمال . قال سيد قطب : القرآن يهتف بالإنسانية جميعها على اختلاف أجناسها وألوانها ، ليردّها إلى أصل واحد ، وإلى ميزان واحد ، هو الذي تقوم به تلك الجماعة المختارة الصاعدة إلى ذلك الأفق السامق . يا أيُّها الناس المختلفون أجناسا وألوانا ، المتفرّقون شعوبا وقبائل ، إنّكم من أصل واحد . فلا تختلفوا ولاتتفرّقوا ولا تخاصموا ولاتذهبوا بددا .
« يا أَيُّهَا النَّاسُ »
والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم
« مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى »
وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم
« شُعُوباً وَقَبائِلَ »
إنّها ليست التناحر والخصام ، إنّما هيالتعارف والوئام . فأمّا اختلاف الألسنة والألوان واختلاف الطباع والأخلاق واختلاف المواهب والاستعدادات فتنوّع لا يقتضي النزاع والشقاق ، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات . وليس للّون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان اللّه . إنّما هناك ميزان واحد تتّحد به القيم ، ويعرف به فضل الناس :
« إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ »
. والكريم حقّا هو الكريم عند اللّه ، وهو يزنكم عن علم وخبرة بالقيم والموازين .
« إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ » .
هامش
( 1 ) - الزمر 17 : 39 - 18 .