الثقلانُ أن يأتوا بمثلها لشاب الغراب ، وساب الماء كالسراب ، قبل أن يأتوا به .
15 - وفيها أيضا دلالة على أنّها معجزة وآية بيّنة من وجه آخر ، وهو : أنّه إخبار بالغيب ، من حيث إنّه أخبر عمّا جرى على ألسنة أعدائه ، فكان كما أخبر ، ووافق الخَبَرُ المُخْبَرَ في إعطائه الكوثر ، إذ عَلَت كلمتُه ، وانتشرت في العالم ذرّيته ، وانبتر أمر شانئه الأبتر ، وانقطع ذنبُه وعقبُه كما ذكر . « 1 »
دعوة زكريا ربّه
هناك وقع دعاء زكريا ربّه - فيما حكى اللّه سبحانه - :
« قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً »
« 2 » موقع إعجاب وإكبار علماء المعاني والبيان ، بَهرَتهُم لطافة صنعه وإناقة رصفه ، مشتملًا على مزايا ومحاسن جمّة لايحويها سائر الكلام . وقد تعرّض لها صاحب « الطراز » وعدّد محاسنها درجة درجة حتى بلغ العشرة عدد الكمال . وقدّم لذلك مقدّمة قال فيها :
اعلم أنّ القرآن إنّما صار معجزا لكونه دالًاّ على تلك المحاسن والمزايا التي لم يختصّ بها غيره من سائر الكلام ، ولايجوزُ أن تكون راجعة إلى الدلالات الوضعية ، سواء كانت باعتبار دلالتها على معانيها الوضعية ، أو مجرّدة عنها ، وقد ذهب إلى ذلك أقوامٌ ، وهو فاسد لأمرين ، أمّا ( أوَّلًا ) فلأنَّ الكلمة الواحدة قد تكون فصيحة إذا وقعت في محلّ ، وغير فصيحة إذا وقع في محلّ آخر ، فلو كان الأمر : في الفصاحة والبلاغة راجعا إلى مجرّد الألفاظ الوضعية لَما اختلف ذلك بحسب اختلاف المواضع ، وأمّا ( ثانيا ) فلأنّ الاستعارة والتشبيه والتمثيل والكناية من أعظم قواعد الفصاحة وأبلغها . وإنّما كانت كذلك باعتبار دلالتها على المعاني لاباعتبار ألفاظها . فصارت الدلالة على وجهين :
الوجه الأول : دلالة وضعية ، وهذه لاتعلّق لها بالبلاغة والفصاحة كما مَهَّدْنا طريقه .
وثانيهما : الدلالة المعنوية ، ودلالتها إمّا بالتضمّن أو بالالتزام ، وهما عقليّان من جهة
هامش
( 1 ) - جوامع الجامع ، ص 554 .
( 2 ) - مريم 4 : 19 .