عمّا وراء ذلك ، والكلامُ في تقرير تلك اللطائف الإجمالية ومايتلوها من الأسرار التفصيلية مقرّرٌ في معرفة حدِّ الكلام وأصله ، وأنَّ كلَّ مرتبة من مراتب الإجمال متروكة في الآية بمرتبة أخرى مفصّلة ، حتّى تتّصل بما عليه نظمُ الآية وسياقُها ، وجملة مانوردُه من ذلك درجات عشرٌ ، كلّ واحدة منها على حظٍّ من الإجمال ، بعدها درجة أخرى على حظّ من التفصيل ، حتى تكون الخاتمة هو ما اشتمل عليه سياقُها المنظوم على أحسن نظام ، وصار واقعا في تتميم بلاغتها أحسن تمام .
( الدرجة الأولى ) نداء الخفية ، فإنَّه دالُّ على ضعف الحال وخطاب المسكنة والذُلّ حتى لا يستطيع حَراكا ، وهو من لوازم الشيخوخة والهُزال ، ولما فيه من التصاغر للجلال ، والعظمة بخفض المصوب في مقام الكبرياء وعظم القدرة ، فهذه الجملة مذكورة كما قرَّرناه ، وهي مُناسبة لحاله ، ولهذا صدَّرها في أول قصّتهِ لما فيها من ملائمة الحال وهضم النفس واستصغارها . وافتتاحها بذكر العبودية يؤكّد ما ذكرناه ويؤيّده .
( الدرجة الثانية ) كأنّه قال : ياربّ إِنّه قد دَنا عُمري ، وانقضت أيّام شبابي ، فإنّ انقضاء العُمر دالٌّ على الضعف والشيخوخة لا محالة ، لأنّ انقضاء الأيّام والليالي هو الموصلُ إلى الفناء والضعف وشيب الرأس ، ثمّ إِنّ هذه الجملة صارت متروكة لتوخّي مزيد التقرير إلى ما هو أكثر تفصيلًا منها ممّا يكون بعدها .
( الدرجة الثالثة ) كأنّه قال : قد شِخْتُ فإنّ الشيخوخة دالّةٌ على ضعف البدن وشيب الرأس ، لأنّها هي السبب في ذلك لا محالة .
( الدرجة الرابعة ) كأنّه قال : وَهَنتْ عظامُ بَدني ، جعله كناية عن ضعف حاله ، ورقّة جسمه ، ثمّ تركت هذه الجملة إلى جُملة أخرى أكثر تفصيلًا منها .
( الدرجة الخامسة ) كأنّه قال : أنا وَهنت عظامُ بدني ، فأعطيت مبالغة ، لمّا قَدَّم المبتدأ ببناء الكلام عليه ، كما ترى .
( الدرجة السادسة ) كأنّه قال : إنّي وهنت العظامُ من بدني ، فأضاف إلى نفسه تقريرا مؤكّدا « بإنّ » للأمر ، واختصاصها بحاله ، ثمّ تُركت هذه الجملة بجملة غيرها .
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 71
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٧١