وهذا من خصائص البلاغة في إيجاز الحذف امتاز بها القرآن في براعة فائقة .
فمن ذلك قوله تعالى :
« وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ »
« 1 » . قال الزمخشري : تقديره : لو يعلم هؤلاء شدّة عقاب الظالمين يومذاك ، لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة . فحذف الجواب ، كما في قوله
: « وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ . . . »
« 2 » . أي ولوترى ذلك لرأيت أمرا عظيما . « 3 »
قال ابن جوزيّة : ومثل هذا ، حذفه من أحسن الكلام ، لأنّ المراد أنّك لو رأيت ذلك لرأيت هولًا عظيما . فليس في ذكر الجواب زيادة على ما دلّ عليه الشرط .
قال : وهذه عادة الناس في كلامهم إذا رأوا أمورا عجيبة وأرادوا أن يُخبروا بها الغائبَ عنها ( إخبارا عن تهويل ) يقول أحدهم : لو رأيت ما جرى يوم كذا بموضع كذا . « 4 » ففي الحذف هنا من التهويل ما لا يكون فيما إذا صُرّح بالجواب .
ومثله قوله تعالى :
« وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ . . . »
« 5 » . أي لرأيت أمرا فضيعا .
« وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً »
« 6 » .
« فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ، عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ »
« 7 » .
وهكذا قوله تعالى :
« وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ »
« 8 » . قال الزمخشري : جوابه محذوف ، يعني : لرأيت أمرا عظيما وحالًا هائلة . « 9 »
قالتعالى :
« وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى . . . »
« 10 » .
قال الزمخشري : جوابه محذوف ، كما تقول لغلامك : لو قُمتُ إليك ، وتترك الجواب .
قال : والمعنى : ولو أنّ قرآنا سُيّرت به الجبال عن مقارّها وزعزعت عن مضاجعها أو قطّعت به الأرض حتى تتصدّع وتتزايل قطعا أو كلّم به الموتى فتسمع وتجيب ، لكان هذا
هامش
( 1 ) - . البقرة 165 : 2 .
( 2 ) - . الأنعام 30 : 6 .
( 3 ) - . الكشاف ، ج 1 ، ص 212 .
( 4 ) - . التبيان لابن قيم الجوزية ، ص 4 .
( 5 ) - . الأنفال 50 : 8 .
( 6 ) - . الفرقان 26 : 25 .
( 7 ) - . المدّثّر 9 : 74 - 10 .
( 8 ) - . سبأ 51 : 34 .
( 9 ) - . الكشاف ، ج 3 ، ص 592 .
( 10 ) . الرعد 31 : 13 .