وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ . أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ » .
« 1 »
وقوله :
« أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ » .
« 2 » وهذا من بديع التخلّص ، فإنّه سبحانه خلص من وصف المخلصين وما أعدّ لهم إلى وصف الظالمين وما أعدّ لهم .
قال : واعلم أنّه حيث قصد التخلّص فلابدّ من التوطئة له .
ومن بديعه قوله تعالى :
« نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ »
« 3 » يشير إلى قصّة يوسف عليه السلام فوطّأ بهذه الجملة إلى ذكر القصّة ، يشير إليها بهذه النكتة من باب الوحي والرمز .
وكقوله سبحانه موطّئا للتخلّص إلى ذكر مبتدأ خلق المسيح عليه السلام :
« إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً . . .
الآية » . « 4 »
قال ابن أبيالإصبع : ومن براعة التخلّص في الكتاب العزيز قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ »
« 5 » فإنّه سبحانه وطّأ بها إلى سياقة خبر ميلاد المسيح عليه السلام ، فذكر اصطفاء آدم عليه السلام توطئة يخلص بها إلى ذكر وَلَدِه نوح عليه السلام ، وذكر اصطفاء نوح يتخلّص إلى ذكر وَلَده إبراهيم عليه السلام ، وذكر اصطفاء آل إبراهيم بعد ذكر آل نوح توطئة ليتخلّص بذكرهم إلى آل عمران من ولد إبراهيم ، وتخلّص بذكر آل عمران إلى ذكر امرأة عمران ، ليسوق قصّة حملها بمريم عليهماالسلام وكفالة زكريا عليه السلام لها ، وذكر وَلَده يحيى عليه السلام وقصّة حمل مريم بالمسيح عليهما السلام وما كان في ذلك من الآيات الباهرات ، وما آتاه اللّه تعالى من المعجزات .
قال : فوقع في هذه الآية من التخلّصات البارعة التي أتت على أحسن ترتيب ، وأبين
هامش
( 1 ) - النمل 23 : 27 - 26 .
( 2 ) - الصافّات 62 : 37 .
( 3 ) - يوسف 3 : 12 .
( 4 ) - آل عمران 33 : 3 . راجع : البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 43 - 45 .
( 5 ) - آل عمران 33 : 3 .