وإذ وعيت ما قصصته عليك وتأمّلت الالتفات في
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
- بعد تلاوتك لما قبله
« الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ »
- على الوجه الذي يجب ، وهو التأمّل القلبي ، علمت ماموقعه ، وكيف أصاب المحزّ « 1 » وطبّق مفصل البلاغة ، لكونه منبّها على أنّ العبد المُنعَم عليه بتلك النِعَم العِظام إذا قدّر أنّه ماثل بين يدي مولاه ، من حقّه إذا أخذ في القراءة أن تكون قراءته عل وجه يجد معها من نفسه شبه محرّك إلى الإقبال على من يحمده ، صائر في أثناء القراءة إلى حالة شبيهة بإيجاب ذلك عند ختم الصفات ، مستدعية انطباقها على المنزَّل على ما هو عليه ، وإلّا لم يكن قارئا .
والوجه : هو إذا افتتح التحميد أن يكون افتتاحه عن قلب حاضر ونفس ذاكرة ، يعقل فيمَ هو ؟ وعند مَن هو ؟ فإذا انتقل من التحميد إلى الصفات ، أن يكون انتقاله محذوّا به حذو الافتتاح ، فإنّه متى افتتح على الوجه الذي عرفت ، مُجريا على لسانه
« الْحَمْدُ لِلَّهِ »
، أفلا يجد محرّكا للإقبال على من يحمد ، من معبود عظيم الشأن ، حقيق بالثناء والشكر ، مستحقّ للعباد ؟
ثمّ إذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله :
« رَبِّ الْعالَمِينَ »
واصفا له بكونه ربّا مالكا للخلق ، لا يخرج شيء من ملكوته وربوبيّته ، أفترى ذلك المحرّك لا يقوى ؟
ثمّ إذا قال :
« الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ »
فوصفه بما ينبئ عن كونه منعِما على الخلق بأنواع النِعَم ، جلائلها ودقائقها ، مصيبا إيّاهم بكلّ معروف ، أفلا تتضاعف قوّة ذلك المحرّك عند هذا ؟
ثمّ إذا آل الأمر إلى خاتمة هذه الصفات ، وهي
« مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ »
المنادية على كونه مالكا للأمر كلّه في العاقبة يوم الحشر للثواب والعقاب ، فما ظنّك بذلك المحرّك ، أيسع ذهنك أن لا يصير إلى حدّ يوجب عليك الإقبال على مولى ، شأن نفسك معه منذ افتتحت التحميد ماتصوّرت ، فتستطيع أن لا تقول : « إيّاك ، يامن هذه صفاته ، نعبد ونستعين ، لاغيرك » فلا ينطبق على المنزل على ما هو عليه ؟
هامش
( 1 ) - الحزّ : القطع . والمحزّ : موضع الذبح .