أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ » .
« 1 »
والآن فإلى صاحب جنّة أخرى ، بل صاحب جنّتين أكبر من الأولى . إنّ له لَقصة مع صاحب له ، ليس من ذوي الجنان ، ولكن من ذوي الإيمان . وكلاهما « نموذج إنساني » لطائفة من الناس : صاحب الجنّتين نموذج للرجل الثري ، تذهله الثروة ، وتبطره النعمة ، فينسى القوّة الكبرى ، التي تسيطر على أقدار الناس والحياة ، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى ، فلن تخذله القوّة ولا الجاه . وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتزّ بإيمانه ، الذاكر لربّه ، يرى النعمة دليلًا على المنعم ، موجبة لحمده وذكره ، لالجحوده وكفره :
« وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً . وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ » .
« 2 »
وبهذا ترتسم صورة الجنّتين مكتملة في ازدهار وفخامة . وهذا هو المشهد الأول .
فلننظر المشهد الثاني :
« فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً » .
ويبدو أنّه قال قولته هذه وهما في الطريق إلى الجنّتين ، أو وهما على الباب ، إذ جاء بعده :
« وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً . وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً » .
فها هو ذا في أَوجّ زهوه وبطره ، وتعاليه وازدهائه . فماذا ترى يكون أثر هذا كلّه في نفس صاحبه الفقير ، الذي لاجنّة له ولا مال ، ولا عصبة له ولا نفر ؟ إنّ صاحبه لَمؤمن ، فما تشعره كلّ هذه المظاهر بالهوان ، وما تنسيه عزّة ربّه الديّان ، وما تغفله عن واجبه الصحيح ، في ردّ صاحبه البطر ، إلى جادّة الطريق ، ولو استدعى ذلك أن يجبهه بالتقريع ، وأن يذكّره بمنشئه الصغير من التراب المهين :
« قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا . لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً . وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ
هامش
( 1 ) - القلم 17 : 68 - 32 .
( 2 ) - الكهف 32 : 18 - 34 .