تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
لقد قرّ رأيهم على أن يقطعوا ثمرها عند الصباح الباكر ، دون أن يستثنوا منه شيئا للمساكين . فلندعهم على قرارهم ، ولننظر ماذا يقع الآن في بهمة الليل ، حيث يختفون هم ، ويخلو منهم المسرح ، فماذا يرى النُظّارة ؟ هناك مفاجأة تتمّ خلسة ، وحركة خفيفة كحركة الأشباح في الظلام
« فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ »
« 1 » وهم لا يشعرون . والآن ها هم أولاء يتصايحون مبكّرين ، وهم لا يدرون ماذا أصاب جنّتهم في الظلام :
« فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ . أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ . فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ . أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ » .
ليمسك النُظّارة ألسنتهم فلا ينبّهوا أصحاب الجنّة إلى ما أصاب جنّتهم ، وليكتموا ضحكات السخرية التي تكاد تنبعث منهم ، وهم يشاهدون أصحاب الجنّة المخدوعين ، يتنادون متخافتين خشية أن يدخلها عليهم مسكين ، ليكتموا ضحكات السخرية ، بل ليطلقوها ، فها هي ذي السخرية العظمى :
« وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ
« 2 » قادِرينَ » أجل ، إنّهم لَقادرون الآن على المنع والحرمان ، حرمان أنفسهم على الأقلّ . وها هم أولاء يفاجأون بماذا ؟ فليضحك النُظّارة كما يشاؤون :
« فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ »
ما هذه جنّتنا الموقرَة بالثمار ، فقد ظللنا إليها الطريق ، فلتتأكّدوا ياجماعة
« بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ »
وهذا هو الخبر اليقين . والآن وقد سقط في أيديهم :
« قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ »
إي واللّه ، هلّا سَبّحتم اللّه واتّقيتموه ؟
« قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ »
الآن وبعد فوات الأوان . وكما يتنصّل كلّ شريك من التبعة عندما تسوء العاقبة ، ويتوجّه باللوم إلى الآخرين ، ها هم أولاء كذلك يصنعون :
« فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ » .
ثمّ ها هم أولاء يتركون التلاوم ليعترفوا جميعا بالخطيئة ، عسى أن يفيدهم الاعترافُ الغفران ، ويعوضّهم من الجنَّة الضائعة جنَّة أخرى :
« قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ . عَسى رَبُّنا
هامش
( 1 ) - كالمقطوعة الثمار . ( 2 ) - منع وحرمان .