وهكذا سورة « ص » اشتملت على عدة خصومات جاءت في السورة . فأوّلها خصومة الكفار مع النبيّ ، ثمّ اختصام الخصمين عند داود ، ثمّ تخاصم أهل النار ، ثمّ اختصام الملأ الأعلى في العلم ، ثمّ تخاصم إبليس .
وكذلك سورة القلم ، فواصلها على النون واشتمالها على كلمات نونية كثيرة .
قال : وكذا السوَر المفتتحة بحرفين أو أكثر ، فإنّ له رابطا مع كلمات السورة بالذات .
هذا من جهة اللفظ ، ولعلّ في طيّها أسرارا عظيمة يعلمها الربّانيون . « 1 »
قال جلالالدين السيوطي : إنّ كلّ سورة بدئت بحرف من هذه الحروف فإنّ أكثر كلماتها وحروفها مماثل له ، فحقّ لكلّ سورة منها أن لايناسبها غير الوارد فيها . فلو وضع « ق » موضع « ن » لم يمكن . وسورة « ق » بُدئت به لما تكرّر فيها من الكلمات بلفظ القاف .
وهكذا قد تكرّرت الراء في سورة يونس ، من الكلام الواقع فيها إلى ماءتي كلمة أو أكثر ، فلهذا افتتحت بالراء ، وسورة الأعراف زيد فيها « ص » على « ألم » لنفس السبب . « 2 »
الحروف المقطّعة في مختلف الآراء
اختلفت الأنظار عن الحروف المقطّعة في أوائل السور ، وربما بلغت عشرين قولًا أو تزيد ، حسبما أحصاه الإمام الرازي في تفسيره الكبير . سوى أنّ الاتجاهات الرئيسية التي سلكتها تلكم الأقوال تعتمد على المباني الثلاثة التالية :
1 - اعتقاد أنّها من المتشابه المجهول تماما ، علم مستور ، وسرّ محجوب ، استأثر اللّه به . فقد حُكي عن الشعبي - هو أبو عمرو عامر بن شراحيل ، التابعيّ الشهير ، ( ت 104 ) أنّه قال : نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى اللّه . « 3 »
وقد أنكر أهل الكلام هذا الاعتقاد لو أريد به الجهل المطلق ، حتى على مثل رسولاللّه صلى الله عليه وآله وسائر امناء الوحي . إذ كيف يرد في الكتاب المبين ما يكاد يخفى على الخافقين . وقد قال تعالى :
« كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا
هامش
( 1 ) - البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 167 - 169 .
( 2 ) - معترك الأقران ، ج 1 ، ص 71 .
( 3 ) - البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 173 .