ضابط الفواصل
لمعرفة الفواصل ورؤوس الآي شأن خطير ، وليس من جهة الوقوف على المقاطع أو العلم بعدد آي السور فحسب ، وإنّما هي مهمّة المفسّر ، يجب عليه معرفة مداخل الكلام ومخارجه ، ومدى رابطة كلّ كلامين اقترنا في خطاب أو أُردفا في ثبت كتاب .
الأمر الذي يمسّ قرائن الكلام المكتنفة بدلائل البيان ، فلا يعذر جهله لمن أراد فهمه .
هذا فضلًا عمّا لمعرفة الفصل من الوصل في الكلام من شرف وفضل ، وربما كانت الأهمّ من أركان البلاغة في البيان ، حتى قال التفتازاني : حصر بعضهم البلاغة على معرفة الفصل والوصل « 1 » وقال في موضع آخر : إنّه معظم أبواب علم المعاني . « 2 »
قال السكاكي : وإنّها لمحكّ البلاغة ، ومنتقد البصيرة ، ومضمار النُظّار ، ومتفاضل الأنظار ، ومعيار قدر الفهم ، ومسبار غور الخاطر ، ومنجم صوابه وخطائه ، ومعجم جلائه وصدائه . وهي التي إذا طبّقت فيها المفصل شهدوا لك من البلاغة بالقدح المعلّى ، وأنّ لك في إبداع وشيها اليد الطولى . وهذا فصل له فضل احتياج إلى تقرير وافٍ وتحرير شافٍ . « 3 »
وبعد ، فهل هو توقيف وتوظيف ؟ أم قياس واعتبار ؟ والصحيح : أنّه كلا الأمرين ، والأصل هو التوقيف ، ويلحق المحتمل من غير المنصوص بالمنصوص قياسا واعتبارا .
قال الإمام بدرالدين الزركشي : فاصلة الآية كقرينة السجعة في النثر ، وقافية البيت في النظم ، وتزيد عليهما أنّ مايُعَدّ عيبا هناك لايُعدّ عيبا هنا ، في مثل اختلاف الحذو والإشباع والتوجيه « 4 » كما يأتي أنّ الإيطاء والتضمين « 5 » ليسا بعيب هنا . « 6 »
هامش
( 1 ) - المطوّل في تعريف البلاغة ، ص 26 .
( 2 ) - المطوّل في باب الفصل والوصل ، ص 268 .
( 3 ) - مفتاح العلوم ، الفن الرابع ص 119 .
( 4 ) - إنّها من عيوب القافية ، وتندرج تحت ما اصطلحوا على تسميته بالسناد ، وهو اختلاف ما قبل الرويّ . فسناد الحذو :
اختلاف حركة الحرف الذي قبل الرويّ المطلق . وسناد التوجيه اختلاف حركة الحرف الذي قبل الرويّ المقيّد . وسناد الإشباع : اختلاف حركة الدخيل .
المقصود من القافية المقيّدة ما كان رويّها ساكنا . ومن المطلقة ما كان متحرّكا . مفتاح العلوم ، ص 271 .
( 5 ) - الإيطاء : إعادة الكلمة التي فيها الرويّ بلفظها ومعناها في القصيد . والتضمين : تعلّق آخر البيت بأول البيت الذي يليه تعلّقا معنويا . وهذان في القرآن كثير وسيأتي الكلام فيهما في نهاية « أنحاء الفواصل » .
( 6 ) - راجع : مفتاح العلوم ، علم القافية ص 272 - 273 .