وعن ابن عباس : من جحد حكم اللّه كفر ، ومن لم يحكم به وهو مقرّ فهو ظالم فاسق . « 1 » وعن بعضهم : الأوّل في الجاحد ، والأخيران في المقرّ التارك . « 2 » وهذا يتوافق مع مافصّلناه نظرا لأنّ القاضي بغير ما أنزل اللّه ، والعامل على خلاف ما أنزل اللّه ، كلاهما ظالمٌ وفاسق ، لأنّه ترك العمل بالشريعة مع إقراره بها .
* وقوله تعالى - في سورة الأنعام - :
« قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ . . . »
وجعل يعدّد المحرّمات ، وختمها بقوله :
« ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » . . .
ثمّ ذكر بقيّة المحرّمات وختمها بقوله :
« ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » . . .
وأخيرا خُتمت الآية بقوله :
« ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » .
« 3 »
قال جلالالدين السيوطي : لأنّ الوصايا التي في الآية الأولى إنّما يحمل على تركها عدم العقل الغالب على الهوى ، لأنّه الشرك باللّه ، وعقوق الوالدين ، وقتل الأولاد خشية الإملاق ، ومقاربة الفواحش مطلقا ، وقتل النفس المحترمة .
وأمّا الثانية فلتعلّقها بالحقوق المالية والعدل في الكلام ، والوفاء بالعهد ، فَمن أحبّ أن يُوفى له فليفِ بما عليه ، فناسبه التذكّر والتنبيه .
والثالثة كانت أمرا باتّباع الصراط السويّ في الحياة ، فناسبه التقوى والاجتناب عن التنكّب في الطريق .
* * * * ونظيره قوله تعالى في سورة الأنعام أيضا :
« وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ . . . »
وختمها بقوله :
« قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » .
وختم تاليتها بقوله :
« قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ » .
وختم الثالثة بقوله :
« إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » .
« 4 »
وذلك لأنّ حساب النجوم والاهتداء بها يختصّ بالعلماء ، وإنشاء الخلائق من نفس واحدة يحتاج إلى فكر وفهم أدقّ . أمّا ذكر النعم الظاهرة فباعث إلى الإيمان بصورة عامّة . « 5 »
هامش
( 1 ) - الكشاف ، ج 1 ، ص 638 .
( 2 ) - التفسير الكبير ، ج 12 ، ص 10 .
( 3 ) - الأنعام 151 : 6 - 153 .
( 4 ) - الأنعام 97 : 6 - 99 .
( 5 ) - معترك الأقران ، ج 1 ، ص 42 - 43 .