تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
تامّا ، بحيث لو طرحت لاختلّ المعنى واضطرب المقصود من الكلام ، وتشوّش على الفهم ، وبحيث لو سكت الناطق عنها لكمّله السامع بطبعه السليم . « 1 » قال الإمام بدرالدين الزركشي : وهذا الباب يُطلعك على سرٍّ عظيم من أسرار القرآن الكريم ، فاشدُد يديك به . « 2 » * ومن أمثلته قوله تعالى :
« وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً » .
« 3 » ولا يخفى وجه المناسبة التامّة . * وقوله تعالى :
« أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ . أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ » .
« 4 » لمّا كانت الآية الأولى تذكرة وعبرة بما أصاب القرون الأولى ، ولا عبرة بأحوال الماضين لولا الاستماع إلى قصصهم ، فختمت بما يناسبه « يسمعون » . أمّا الآية الثانية فكان الاعتبار فيها بأمر مشهود منظور ، فناسبه الختم بالإبصار . * وقوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » .
« 5 » الشيء إذا بلغ في اللطافة غايتها قصرت الأبصار عن دركه . فناسب قولُه :
« وَهُوَ اللَّطِيفُ »
قولَه :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » .
والعالم بالشيء إذا بلغ كنهه وأحاط به علما كان خبيرا به ، فناسب قولُه :
« الْخَبِيرُ »
قولَه :
« وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
، جمعا محلّى باللام ، وهو يفيد العموم الدالّ على إحاطته تعالى . ومناسبة أشدّ : أنّ قوله :
« وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
برهانٌ على عدم إمكان إدراكه
هامش
( 1 ) - حكي أنّ أعرابيا سمع قارئا يقرأ : « فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم » - ولم يكن قرأ القرآن - فقال : إنّ هذا ليس بكلام اللّه ، لأنّ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل ، لأنّه إغراء عليه . معترك الأقران ، ج 1 ، ص 40 . وصحيح الآية« فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ »البقرة 209 : 2 . ( 2 ) - البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 79 . ( 3 ) - الأحزاب 25 : 33 . ( 4 ) - السجدة 26 : 32 و 27 . ( 5 ) - الأنعام 103 : 6 .