إلى نهايتها .
* وتتلو حكاية قول هود :
« أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ » .
« 1 » فتحسّ أنّ كلمة
« أَ نُلْزِمُكُمُوها »
تصوّر جوّ الإكراه ، بإدماج كلّ هذه الضمائر في النطق ، وشدّ بعضها إلى بعض ، كما يدمج الكارهون مع ما يكرهون ، ويشدّون إليه وهم منه نافرون .
قال سيد قطب : وهكذا يبدو لَونٌ من التناسق - تناسق جرس اللفظ مع نوعيّة المعنى - أعلى من البلاغة الظاهرية ، وأرفع من الفصاحة اللفظية ، اللتين يحسبهما بعض الباحثين في القرآن أعظم مزايا القرآن . « 2 »
* انظر إلى هذا التشبيه البديع :
« وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ »
« 3 » اللفظ يصوّر السقوط المرير
« خَرَّ مِنَ السَّماءِ »
صوت تقطع الأنفاس وحبسها في البلعوم من هول هذا السقوط المفاجىء . ثمّ ماذا بعد ؟ « تخطفه
الطَّيْرُ »
لفوره فيقع فريستها
« أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ »
متقطّع الأشلاء ، فلا يهتدي إليه أحد . هكذا وبهذه السرعة الخاطفة يطوى مسرح حياة المشرك باللّه ، وبهذه الخاتمة الأليمة . « 4 »
« عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ »
« 5 » هذه الكلمة « عتلّ » في مادّتها وهيأتها ( ع : مجهورة مستعلية .
تاء : مهموسة شديدة . ل : مجهورة منذلقة ) بضمّتين متعاقبتين وتشديد اللام الأخيرة ، تمثّل الغلظة الجافية والانهماك في الشهوات وملاذّ الحياة السفلى ، قبل أن تدلّ عليه الكلمة من المعنى الوضعيّ اللغوي : الأكول ، الجافي ، الغليظ .
تلك لفظة دلّت أجراسها على معناها قبل أن تدلّ أوضاعها . ومن ثمّ فقد تعقّبها مايناسبها « زنيم » : اللئيم ، الدعيّ ، الذي لا يبالي بما قال ولابما قيل فيه .
هامش
( 1 ) - هود 28 : 11 .
( 2 ) - التصوير الفنّي ، ص 72 .
( 3 ) - الحج 31 : 22 .
( 4 ) - التصوير الفنّي ، ص 103 .
( 5 ) - القلم 13 : 68 .