فجعل الناس ينظرون إليه ويقول بعضهم لبعض : دعوه فإنّ شيطانه يتكلّم بالهنديّة ! « 1 »
قال : ومنه ما يحتاج إلى أن يخرّج له وجه بعيد ، نحو مسرّج في قول العجّاج :
ومقلة وحاجبا مزجّجا * وفاحما ومرسنا مسرّجا « 2 »
لم يعلم أنّه مأخوذ من السيف السريجي في الدقّة والاستواء ، أو من السراج في البريق واللمعان .
قال : والوحشي قسمان ، غريب حسن وغريب قبيح ، فالغريب الحسن هو الذي لايُعاب استعماله على العرب لأنّه لم يكن وحشيا عندهم ، وذلك مثل شرنبث واشمخرّ واقمطرّ « 3 » وهي في النظم أحسن منه في النثر . ومنه غريب القرآن والحديث .
والغريب القبيحُ يعاب استعماله مطلقا ( حتى على العرب ) ويسمّى الوحشي الغليظ ، وهو أن يكون مع كونه غريب الاستعمال ثقيلًا على السمع كريها على الذوق ، ويسمّى المتوعّر أيضا . وذلك مثل جحيش واطلخمّ الأمر وجفخت « 4 » وأمثال ذلك . « 5 »
والخلاصة : القرآن كما يترفّع عن الاسترسال العامي المرتذل ، كذلك يبتعد عن استعمال غرائب الألفاظ المتوعّرة بمعنى وحشيها غير مأنوسة الاستعمال ولا مألوفة في متعارف أهل اللسان المترفّعين .
قال الخطابي : ليست الغرابة ممّا اشترطت في حدود البلاغة ، وإنّما يكثر وحشيّ الغريب في كلام الأوحاش من الناس والأجلاف من جفاة العرب ، الذين يذهبون مذاهب
هامش
( 1 ) - المطول ، ص 18 . وراجع : الفائق للزمخشري ، ج 3 ، ص 241 . نسب الجاحظ ذلك إلى أبيعلقمة ، حدّث به ذلك في بعض طرقات البصرة .
والمعنى : مالكم اجتمعتم عليَّ كما تجتمعون على مجنون ، تفرّقوا عنّي .
( 2 ) - المقلة : حدقة العين . والمزجّج كمُعظّم : المدقّق المرقّق . والفاحم : الشعر الأسود . والمَرسن كمجلس : موضع الرسن من أنف الناقة ، شاع استعماله في مطلق أنف الإنسان .
( 3 ) - الشرنبث كغضنفر : الغليظ الكفّين والرجلين . واشمخرّ : طال . واقمطرّ : اشتدّ .
( 4 ) - الجحيش : المنعزل عن الناس بمعنى الفريد . واطلخمّ الأمر : اشتبك واشتبه ، مأخوذ من الطلخوم بمعنى الماء الآجن .
وجفخت : تكبّرت .
( 5 ) - المطول ، ص 18 .