وحده في كفّ أيديهم عنه ، بل كان أجدر أن يغريهم به ، ذلك أنّ النّاس - كما يقول الباقلّاني - إذا استحسنوا شيئا اتبعوه ، وتنافسوا في محاكاته بباعث الجبلّة . وكذلك رأينا أصحاب هذه الصناعة يتبع بعضهم بعضا فيما يستجيدونه من الأساليب ، وربّما أدرك اللاحق فيهم شأو السابق أو أربى عليه ، كما صنع ابنالعميد بأسلوب الجاحظ ، وكما يصنع الكتّاب والخطباء اليوم في اقتداء بعضهم ببعض . وما أساليب الناس على اختلاف طرائقها في النثر والشعر إلّا مناهل مورودة ومسالك معبّدة ، تؤخذ بالتعلّم ، وتراضّ الألسنة والأقلام عليها بالمرانة ، كسائر الصناعات .
فما الذي منع الناس أن يخضعوا أسلوب القرآن لألسنتهم وأقلامهم وهم شرع في استحسان طريقته ، وأنّ أكثرهم الطالبون لإبطال حجته .
ما ذاك إلّا أنّ فيه منعة طبيعيّة كفّت ولا تزال تكفّ أيديهم عنه ، ولا ريب أنّ أوّل ما تلاقيك هذه المناعة فيما صوّرناه لك من غريب تأليفه في بنيته ، وما اتخذه في رصف حروفه وكلماته وجمله وآياته ، من نظام له سمت وحده وطابع خاصّ به ، خرج فيه عن هيئة كلّ نظم تعاطاه الناس أو يتعاطونه ، فلا جرم لم يجدوا له مثالًا يحاذونه به ، ولا سبيلًا يسلكونه إلى تذليل منهجه .
وآية ذلك أنّ أحدا لوحاول أن يدخل عليه شيئا من كلام الناس ، من السابقين منهم أو اللاحقين ، من الحكماء أو البلغاء أو النبيّين والمرسلين ، لأفسد بذلك مزاجه في فم كلّ قارئ ولجعل نظامه يضطرب في اذن كلّ سامع ، وإذا لنادى الداخلُ على نفسه بأنّه واغل دخيل ، ولنفاه القرآن عن نفسه كما ينفي الكير خبث الحديد .
« وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ . لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » .
« 1 »
وأنت إذ لم يلهك جمال الغطاء عمّا تحته من الكنز الدفين ، ولم تحجبك بهجة الأستار عمّا ورائها من السرّ المصون ، بل فليت القشرة عن لبّها وكشفت الصدفة عن درّها ، فنفذت من هذا النظام اللفظي إلى ذلك النظام المعنوي ، تجلّى لك ما هو أبهى وأبهر ، ولقيت منه ما
هامش
( 1 ) - فصّلت 41 : 41 - 42 .