الكلمة « تغشّاها » . . . تغشّاها رجلها . . . أن يمتزج الذكر والأُنثى كما يمتزج ظلّان وكما يغشى الليل النهار وكما تذوب الألوان بعضها في بعض ، هذا اللفظ العجيب الذي يعبّر به القرآن عن التداخل الكامل بين اثنين ، هو ذروةٌ في التعبير .
وألفاظ أخرى تقرؤها في القرآن فتترك في السمع رنينا وأصداءً وصورا حينما يقسم اللّه بالليل والنهار فيقول :
« وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ »
« 1 » . . . هذه الحروف الأربعة « عسعس » هي الليل مصوّرا بكلّ ما فيه .
« وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ »
أنّ ضوء الفجر هنا مرئي ومسموع . . . أنّك تكاد تسمع زقزقة العصفور وصيحة الديك . . .
فإذا كانت الآيات نذير الغضب وإعلان العقاب فإنّك تسمع الألفاظ تتفجّر . . . وترى المعمار القرآني كلّه له جلجلة . اسمع ما يقول اللّه عن قوم عاد :
« وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ . سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ » .
« 2 » إنَّ الآيات كلّها تصرّ فيها الرياح وتسمع فيها اصطفاق الخيام وأعجاز النخل الخاوي وصورة الأرض الخراب .
والصور القرآنية كلّها تجدها مرسومة بهذه اللمسات السريعة والظلال المحكمة والألفاظ التي لها جرس وصوت وصورة .
ولهذه الأسباب مجتمعة كان القرآن كتابا لايترجم . إنّه قرآن في لغته ، أمّا في اللغات الأُخرى فهو شيء آخر غير القرآن . . .
« إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا »
« 3 » وفي هذا تحديد فاصل .
وكيف يمكن أن تترجم آية مثل :
« الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » .
« 4 » إنّنا لسنا أمام معنى فقط ، وإنّما نحن بالدرجة الأُولى أمام معمار . . أمام تكوين وبناء تنبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات ، من قلبها لا من حواشيها ، من خصائص اللغة العربية وأسرارها وظلالها وخوافيها . .
ولهذا انفردت الآية القرآنية بخاصّيّة عجيبة . . . إنّها تحدث الخشوع في النفس بمجرّد
هامش
( 1 ) - التكوير 17 : 81 - 18 .
( 2 ) - الحاقة 6 : 69 - 7 .
( 3 ) - يوسف 2 : 12 .
( 4 ) - طه 5 : 20 .