متكلّم بكلام هو قائم بذاته تعالى ، مريد بإرادة أزلية قائمة بذاته . ومن ثمّ زعم أنّ كلامه تعالى قديم ، لأنّ القائم بذات قديمة قديم .
قال أهل العدل والتنزيه : معنى أنّه تعالى يتكلّم : أنّه يخلق الكلام المسموع ، وهي عبارة عن اهتزازات وذبذبات تحدث في أمواج الهواء يخلقها اللّه تعالى عند إرادة الكلام ، وأمّا غيره فيتكلّم بآلة ، وإنّ ذاك التموّج يحصل بقرع اللسان والأسنان . قالوا : وإرادته تعالى هو فعله ، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحوها . ومن ثمّ قالت المعتزلة : كلام اللّه مخلوق وقالت الأشاعرة : غير مخلوق ، فكان ذلك الجدل العنيف ، وقد ذهبت في طيّه نفوس .
استدلّت الأشاعرة بأنّها صفات اشتقاق ، فلابدّ من إثبات مباديها للذّات ، كما إذا وصفنا بها بعضنا . قال التفتازاني : « ضرورة امتناع إثبات المشتقّ للشيء من غير قيام مأخذ الاشتقاق به » . « 1 »
وتشبّث الأشعري بقوله تعالى :
« وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً »
« 2 » - قال : والتكليم هو المشافهة بالكلام ، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلّم حالًاّ في غيره ، مخلوقا في شيء سواه ، كما لا يجوز ذلك في العلم . « 3 »
وبقوله تعالى :
« أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ » ،
« 4 » دلّت الآية على أنّ الأمر شيء غير الخلق . ثمّ قال تعالى :
« وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ »
« 5 » قال : وأمر اللّه - هنا - هو كلامه تعالى . وبما أنّ الأمر غير مخلوق - كما في الآية الأولى - فوجب أن يكون كلامه الذي هو أمره غير مخلوق . « 6 »
وبذلك أثبت قدم كلامه تعالى وقيامه بذاته المقدّسة .
وأظنّنا في غنى عن تفنيد هذا الاستدلال المزيّف بعد أن كان أشبه بسفاسف الكلام .
هامش
( 1 ) - المصدر ، ص 44 .
( 2 ) - النساء 164 : 4 .
( 3 ) - الإبانة ، ص 47 .
( 4 ) - الأعراف 54 : 7 .
( 5 ) - الروم 25 : 30 .
( 6 ) - الإبانة ، ص 41 .