تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
فلا يحصل له من العامّة ذلك الانقياد والاستسلام التامّ إذا عرفوا منه ذلك . ولأنّ النبيّ يجب أن يُتّبع في جميع أفعاله وأقواله ، وهل إذا فعل فاحشة - فرضا - يتابعوه فيها أو يمانعوه ، والأول نقض لغرض الرسالة ، والثاني استصغار بشأنه وقلب لموقفه من كونه منكِرا على الناس قبائحهم ، فأصبح هو منكَرا عليه . ومن القبيح جدّا أن يكون الآمر بالمعروف تاركا له ، والناهي عن المنكر فاعلًا له
« أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ »
« 1 » أي أفلا تشعرون بقبح هذا الموقف المتناقض في نظر العقلاء ! قالت الإماميّة : جلّ هذا الاستدلال يعمّ حالته قبل البعثة وبعدها . من غير فرق بين الخطايا أن تكون كبيرة أو صغيرة ، بعد أن كانت كلّها ممّا يسلب الثقة به وموجبا لتنفّر طباع الناس منه . ولسنا الآن بصدد البحث عن مسألة العصمة وجوانبها المترامية . لأنّه خارج عن موضوع كتابنا ، وإنّما يهمّنا جانب شبهات ربما تعلّقت بها أصحاب الحشو من المسلمين ، وغيرهم من الملحدين . فجوّزوا على الأنبياء ارتكاب الذنوب والخطايا إطلاقا حتى على عهد بعثتهم إلى الناس . وتمسّكوا بآيات زعموها ظاهرة في ذلك ، وأضافوا إليها أباطيل حاكتها أقاصيص إسرائيلية روّجها العهد الأموي الغاشم فأدخلوها في التفسير بقوّة المال والسيف ! . * * * ولنستعرض الآيات قبل كلّ شيء ، ونتبعها بتأويلاتها السليمة أو المأثورة بأسانيد صحيحة عن مهابط وحي اللّه عليهم السلام وهم أدرى بما أراده اللّه تعالى في كتابه العزيز الحميد . وستكون مترتّبة حسب ترتيب النبوّات ، من لدن آدم عليه السلام إلى نبيّا صلى الله عليه وآله . ونحاول - مبلغ جهدنا - الاقتصار والاختصار « 2 » في إيجاز وافٍ إن شاء اللّه وبحوله وقوّته :
هامش
( 1 ) - البقرة 44 : 2 . ( 2 ) - ولقد كفانا مؤنة التفصيل ما ذكره الشريف المرتضى قدس سره وأثبته في كتابه القيّم « تنزيه الأنبياء » . فقد أودع فيه من غرر الكلام ومحكم البرهان ما يغني عن البيان جزاه اللّه من بطل مدافع عن الإسلام خير جزاء .