زائدة على ذاته المقدّسة ، بل اعتبرها عين ذاته تعالى كما في سائر الصفات الذاتية من العلم والقدرة والحياة ، ومن ثمّ لايشملهم الحديث .
وأمّا الإرادة التشريعية فهي عبارة عن أمره تعالى ونهيه ، بعثا وزجرا للعباد ، فيما يعود عليهم من مصالح ومفاسد كامنة وراء التكاليف .
وهذه الإرادة قد تتخلّف عن المراد ، حيث يعصي العباد ويخالفون أمره تعالى ، ولا محذور في ذلك بعد أن كانت دار التكليف دار اختيار ، حيث لا موقع للتكليف لولا اختيار المكلّفين في الإطاعة والعصيان ، وأنّ مصلحة التكليف هي الّتي تستدعي اختيار العباد في الامتثال والترك تمهيدا لاختبارهم في هذه الحياة ،
« لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ » .
« 1 » « ما كانَ اللّهُ لِيَذَرَ
الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ » .
« 2 »
والتفكيك بين الإرادتين شيء معروف في روايات أهل البيت عليهمالسلام منها : ما رواه الصدوق بإسناده عن الإمام علي بنموسيالرضا عليه السلام قال : « إنّ للّه إرادتين ومشيئتين ، إرادة حتم ، وإرادة عزم » .
ثمّ شرح عليه السلام الثانية بقوله : « ينهى وهو يشاء » أي يشاء أن يقع وإن كان نهى عنه - في الظاهر - أن لا يقع . فنهيه نهيتشريع ، أمّا إشاءته فإشاءة تكوين ، وقد مثّلله الإمام عليه السلام بنهي آدم عن أكل الشجرة ، وقد كانت المصلحة تستدعي الأكل منها ، حيث خلق آدم ليعيش على الأرض ويكون خليفة اللّه فيها . فتخلّفت إرادته التشريعية عن إرادته التكوينية .
ثمّ قال عليه السلام : « ويأمر وهو لا يشاء » ومثّل بأمره تعالى إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل عليهماالسلامحيث تخلّف التشريع عن التكوين . « 3 »
وعلى هذا الضوء من البيان الوارد عن أئمّة أهل البيت عليهمالسلام نستطيع دفع الشبهة عن كثير من آي القرآن ، مثل قوله تعالى :
« وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » .
« 4 » وقوله :
« وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ
هامش
( 1 ) - الأنفال 37 : 8 .
( 2 ) - آلعمران 179 : 3 .
( 3 ) - راجع : بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 139 ؛ ومرآة العقول ، ج 2 ، ص 161 ؛ والكافي ، ج 1 ، ص 151 ، باب المشيئة والإرادة .
( 4 ) - النحل 9 : 16 .