لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً » .
« 1 » وأمثالهما من الآيات وهي كثيرة جدّا .
والمشاءة فيها هي التكوينية ، أي لو أراد ربّك أن يجعل الناس كلّهم مؤمنين بإرادته التكوينية لفعل ، ولما تخلّفت إرادته عن المراد ، كما في قوله تعالى :
« فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » .
« 2 »
لكنّه تعالى لم يشأ الإيمان إلّا عن اختيارهم لغرض الاختبار ، حيث لاتمييز مع الإلجاء .
وبذلك يرتفع إيهام التناقض بين أمثال هذه الآيات ، وآيات اخر جاء فيها : أنّه تعالى هدى النّاس جميعا ، ولا يرى لعباده الكفر ، حيث هذه الطائفة من الآيات تعني مشيئته تعالى التشريعية ، أمرا ونهيا ، بعثا وزجرا ، في هداية شاملة وإرشاد عام . قال تعالى :
« إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً » .
« 3 » وقال :
« وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى » .
« 4 » وقال :
« وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ » .
« 5 » وسنبحث عن أنحاء الهداية ودرجاتها في فصل قادم .
مسألة التوحيد في الأفعال
التوحيد الكامل هو الاعتقاد بأنّه تعالى واحد في ذاته ، واحد في صفاته ، واحد في أفعاله . ثلاث مسائل تبحث عن توحيده تعالى ، الأولى : توحيد الذات « ليس متركّبا من أجزاء » . الثانية : توحيد الصفات « إنّ صفاته الثبوتية جُمَع لاتنمّ عن تعدّد معان قائمة بذاته المقدّسة ، بل كمال توحيده نفي الصفات عنه ، ولا شيء هناك سوى ذاته القديمة انتزعت لها تلك النعوت » . الثالثة :
توحيد الأفعال « لا شريك له في الخلق والإيجاد » .
وهذه المسألة الأخيرة هي موضوع بحثنا الآن : إذا كان العبد مستقلًا في أفعاله ، وكان هو الذي يوجدها ويحدثها وفق ما يريد ، إن شاء فعل وإن شاء ترك - كما عليه مذهب أهل
هامش
( 1 ) - يونس 99 : 10 .
( 2 ) - فصّلت 11 : 41 .
( 3 ) - الإنسان 3 : 76 .
( 4 ) - فصّلت 17 : 41 .
( 5 ) - الأحزاب 4 : 33 .