العدل - فهلّا يصدق حينذاك أنّ في عالم الخلق والإيجاد مؤثّرين : اللّه فيما يختصّ به من أفعال . والعبد فيما يختصّ به من أفعال ؟ ! وإن قلنا : إنّ ما يصدر من العبد من أفعال اختيارية ، ليس مستقلًا في إيجادها ، بل اللّه يشركه في الإحداث والإيجاد ، فالأمر أسوأ ، لأنّه يقتضي التشريك في الخلق والإيجاد ، المنافي لمسألة توحيد الأفعال ؟ !
قلت : لا منافاة بين الأمرين ، استقلال العبد فيما يحدثه من أفعال ( الأفعال الاختيارية ) وكونها لاتحدث ولا تتحقّق خارجا إلّابإذنه تعالى وإيجاده ، تحقيقا لقاعدة « لامؤثّر في الوجود إلّا اللّه » ولقوله تعالى :
« اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ » .
« 1 »
وذلك أنّه تعالى جرت سنّته في إيجاد ما يريد العباد إيجاده ، تحقيقا لمبدء الاختيار الذي منحه لعباده ، وليصحّ تكليفهم واختبار نيّاتهم . وإن شئت فقل : إنّه لا يوجد شيء إلّا بإذنه تعالى ، لكن اللّه جعل من سنّته أن توجد الأشياء عندما يريد العباد إيجادها ، فهو تعالى الموجد لكن عند إرادة العبد ، وقد جعل اختيار وجودها رهنا باختيار العباد إن شاؤوا وجدت بإذن اللّه ، وإن لم يشاؤوا لم توجد ، حيث ذلك الارتباط هو من صنع اللّه الذي أتقن كلّ شيء .
وبذلك صحّ القول : « أن لا خالق إلّا اللّه » و « لاموجد إلّا اللّه » و « لامؤثّر في الوجود إلّا اللّه » . كما صحّ القول بأنّ العباد هم يحدثون ما يريدون فعله ويتركون ما يكرهون وجوده من أفعال اختيارية .
كما أنّ مسألة « الأمر بين الأمرين » عبارة عن هذا المعنى ، وإليك توضيحها بالبيان التالي :
مسألة الأمر بين الأمرين
إنّ مسألة « الأمر بين الأمرين » تعود في أساسها حدّا فاصلًا بين مسألة « الجبر الأشعري » ومسألة « التفويض الاعتزالي » ، أرشد إليها أئمّة أهل البيت عليهمالسلام في نصوص
هامش
( 1 ) - الزمر 62 : 39 .