الاختلاف في كيفيّة تعبير الكلمة لا ينافي الاتفاق على أصلها ، كما أنّ الاختلاف في خصوصيّات حدث تأريخي - كالهجرة مثلًا - لا ينافي تواتر نفس الحدث ، على أنّ الواصل إلينا بتوسط القرّاء إنّما هو خصوصيّات قراءاتهم ، وأمّا أصل القرآن فهو واصل إلينا بالتواتر بين المسلمين ، وبنقل الخلف عن السلف ، وتحفّظهم عليه فيالصدور وفي الكتابات ، ولادخل للقرّاء - بخصوصهم - في ذلك أصلا . ولذلك فإنّ القرآن ثابت التواتر حتى لوفرضنا أنّ هؤلاء القرّاء السبعة أو العشرة لم يكونوا في عالم الوجود أصلا . وعظمة القرآن ورفعة مقامه أعلى من أن تتوقف على نقل أُولئك النفر المحصورين » . « 1 »
وفي كلام سيّدنا الأُستاذ - أخيرا - الحجّة القاطعة على أُولئك الذين يرون تواتر القرآن من زاوية القراءات السبع فحسب ، فيقصرون النصّ القرآني - الذي هو كتاب المسلمين قاطبة - في إطار هؤلاء النفر النزر اليسير ، فيالها من نظرة قاصرة وقصيرة المدى .
لاشكّ أنّ القرآن - وهو نصّ الوحي الإلهي الحكيم - متواتر بين المسلمين تواترا قطعيّا ، في جميع سوره وآية وكلماته ، كلمهكلمة ، بحيث لو أبدلنا كلمة من القرآن ، أو أبدلنا من مكانها إلى آخر ، لاستنكرها المسلمون ، ووجدوها شيئا غريبا عن أُسلوب كلام اللّه العزيز الحميد .
ومن ثمّ فإنّ القراءات التي كانت لاتوافق نصّ المصحف ، كانت مستنكرة لدى المسلمين ، العامّة والعلماء ، وعدّوها شاذّة منبوذة ، وقد تقدّم في الفصل السابق إنكار جماعة من كبار العلماء على قرّاء قرأوا خارج المتعارف ، وكذا إنكارات من عامّة المسلمين على قرّاء معروفين كبار . كما لم يجز الفقهاء القراءة بها في الصلاة ولا اعتبروا قرآنا من كلام اللّه المجيد .
هامش
( 1 ) - البيان في تفسير القرآن ، ص 173 .