ولقوله تعالى :
« حُوباً كَبِيراً »
« 1 » وقوله :
« وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ » .
« 2 »
انظر إلى هذا التضارب في الآراء والاختيارات ، وكيف يتدخّل مثل أبي محمد في ترجيح إحدى القراءتين على الأُخرى ، لحجج وتعاليل - أيضا - يعتمدها . ومن ثمّ فإنّ القائل بتواتر القراءات عن النبيّ صلى الله عليه وآله يضرب على غير وتره .
أضف إلى ذلك قراءات بعض السلف كانت محض اجتهاد شخصيّ حتى ولو كانت مخالفة للمشهور المأثور ! هذا سعد بن أبي وقّاص كان يقرأ « مَانَنْسَخُ مِنْ آيةٍ أَوْ نَنْساها » . « 3 » وفي رواية « أَو نَنْسَأَها » ! فقيل له : إنّ سعيد بن المسيَّب قرأها : « أَوْ نُنْسِها » - كما هي المشهورة ؟ فقال لم ينزل القرآن على المسيَّب ولا على ابنه ، إنّما هي : « مَا نَنْسَخُ من آية أو ننساها يا محمد » . وتمثّل بقوله تعالى
« سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ » .
« 4 » وقوله
« وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ » .
« 5 »
إن هذا إلّا تزمّت غريب دون قراءة المشهور ؟ !
والغريب : أنّ كتب القراءات ربّما يذكرون إحدى الحروف ، من غير أن ينسبوه إلى قارئ مشهور أو غير مشهور ، ويعلّلون بأنّه إجازة فلان النحويّ مثلًا .
قال محمد بن أبي نصر الكرماني : وأجاز الزجّاج : « مِن تَفاؤُتٍ » « 6 » مهموز وهكذا قال في قوله تعالى :
« كُفُواً أَحَدٌ »
أجاز الزجّاج : « كُفُئا » بالهمز « 7 » وهل تصلح إجازة نحويّ لاختيار قراءة القرآن ؟ !
الأمر الذي يُنبؤك على أنّ اعتبارهم « التواتر » في القراءة كلام تشريفيّ ظاهريّ ، لم يعبأ به السلفُ والخلفُ عمليّا إطلاقا .
وأجدني في غنى عن سرد شواهد أكثر ، حيث وفرة الكتب المصنّفة في توجيه القراءات وذكر عللها وحججها ، هي في متناول الجميع .
هامش
( 1 ) - النساء 2 : 4 .
( 2 ) - البقرة 217 : 2 ؛ راجع : الكشف ، ج 1 ، ص 291 - 292 .
( 3 ) - البقرة 106 : 2 .
( 4 ) - الأعلى 6 : 87 - 7 .
( 5 ) - الكهف 24 : 18 ؛ راجع : المصاحف ، ص 96 ؛ وجامع البيان ، ج 1 ، ص 379 ؛ والدرّ المنثور ، ج 1 ، ص 104 - 105 .
( 6 ) - الملك 3 : 67 .
( 7 ) - شواذ القراءات واختلاف المصاحف ، ص 246 و 273 .