حيّا فمات والجراد المأخوذ حيّا ثمّ يموت . « 1 » فإنّ هذا تخصيص في الآية على الفرض لانسخ . « 2 »
ثالثا : أن لا يكون الحكم السابق محدّدا بأمد صريح ، حيث الحكم بنفسه يرتفع عند انتهاء أمده ، من غير حاجة إلى نسخ ، فمثل قوله تعالى :
« فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ »
« 3 » لا يصدق عليه النسخ عندما تفيء الفئة الباغية وترجع إلى رشدها والتسليم لحكم اللّه .
نعم في مثل قوله تعالى :
« أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا »
« 4 » يصدق النسخ عندما يأتي البيان ، لأنّ التلميح إلى تحديد الحكم معلّقا على بيان جديد ، لا يوجب ارتفاع الحكم إلّا بعد أن يأتي حكم جديد وما لم يأت البيان فالحكم الأوّل ثابت ومستمرّ على إحكامه .
إذن فالتحديد الذي يتنافى مع النسخ هو ما إذا كان الحكم بنفسه يرتفع بانقضاء الأمد المضروب له من الأوّل .
رابعا : أن يتعلّق النسخ بالتشريعيّات ، فلا نسخ فيما يتعلّق بالأخبار . فقوله تعالى :
« ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ »
« 5 » لا يصلح ناسخا لقوله :
« ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ »
« 6 » فيما زعمه مقاتل بن سليمان « 7 » لأنّ الآية إخبار عن واقعيّة لاتتغيّر بالوجوه والاعتبار .
وهكذا الإباحة الأصليّة ترتفع بحدوث التشريع من غير أن يكون ذلك نسخا ، حيث تلك الإباحة لم تكن بتشريع ، وإنّما كانت بحكم العقل الفطري ( البراءة العقليّة ) موضوعها :
هامش
( 1 ) - بل هذا في المصطلح الأُصولي حكومة ، فإنَّ تذكية السمك والجراد شرعا هو إخراج السمك وأخذ الجراد حيّين ثم يموتان .
( 2 ) - راجع : رسالة الناسخ والمنسوخ لابن حزم ، ج 2 ، ص 161 .
( 3 ) - الحجرات 9 : 49 .
( 4 ) - النساء 15 : 4 .
( 5 ) - الواقعة 39 : 56 - 40 .
( 6 ) - الواقعة 13 : 56 - 14 .
( 7 ) - راجع : قائمة المنسوخات برقم ، 202 .