تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد ) — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
الأشهاد . إنَّ إجازة القراءات الضعيفة ، وإسنادها إلى العهد الأوّل ، إجرام بشأن القرآن الكريم وحطّ من عظمته الغالية . إنّنا لانجيز مثل تاءات البزّي « 1 » وإدغامات أبي عمرو « 2 » ونبرات الكسائي « 3 » ومدّات حمزة وكثير من تكلّفات ابتدعها القرّاء تفنّنا بالقرآن « 4 » وابتعادا عن مألوف العرب ، الذين نزل القرآن على لغتهم وعلى أساليب كلامهم الدارج الفصيح . وقد قال تعالى :
« قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ »
« 5 » « وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانا عَرَبِيّا » « 6 »
« كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ »
« 7 » فقد شاء اللّه أن لا يكون في القرآن عوج ، ولكن القرّاء تكلّفوا فاعوجّوا بكثير من كلماته المستقيمة . ! ! وفي ضوء هذا البيان نخطّئ - صريحا - كثيرا من قراءات القرّاء المعروفين جاءت على خلاف أساليب لغة العرب الفصحى ، فإنّ رعاية كتابٍ ، هو لأُمَّة كبيرة ، أولى من رعاية نفر كانت تعوزهم المعرفة بأساليب الكلام الفصيح . وقد تقدّم طعن ابن قتيبة في قرّاء لحنوا في القراءة ، ممّن ليس لهم طبع اللغة ولا علم التكلّف ، فَهَفَوا في كثير من الحروف وزلّوا وقرأوا بالشاذّ وأخلّوا .
هامش
( 1 ) - كان يشدّد التاء الواقعة في أوائل الأفعال المستقبلة في حالة الوصل في مثل قوله تعالى :« وَلا تَنابَزُوا »و« فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ »و« لِتَعارَفُوا ». . . إلى أحد وثلاثين موضعا في القرآن . وهو من الجمع بين الساكنين على غير حدّه وهو تكلّف محض خارج عن قانون لغة العرب في سهولة التعبير والأداء . راجع : التيسير ، ص 83 ؛ والنشر ، ج 2 ، ص 232 ؛ والمرشد الوجيز ، ص 174 . ( 2 ) - كان أبو عمرو لايدغم المثلين إذا اجتمعا في كلمة واحدة ، نحو« جِباهُهُمْ »و« بِشِرْكِكُمْ »و« أَ تَعِدانِنِي ». سوى موضعين ، أحدهما في البقرة 200 : 2 .« مَناسِكَكُمْ »والثاني في المدّثّر 42 : 74« ما سَلَكَكُمْ »فأدغم الكاف في الكاف . أمّا إذا كان المثلان من كلمتين فكان يدغم الأوّل في الثاني ، سواء سكن ما قبله أو تحرّك في جميع القرآن ، نحو :« لا أَبْرَحُ حَتَّى »و« يَشْفَعُ عِنْدَهُ »و« قِيلَ لَهُمْ »و« نُسَبِّحَكَ كَثِيراً »و« النَّاسَ سُكارى »و« خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ». وهو من الجمع بين الساكنين وإسقاط لحركة الكلمة الإعرابيّة أو الحركة القياسيّة ، من غير سبب معروف عند العرب . راجع : التيسير ، ص 20 . ( 3 ) - تقدّم في « تأثير اللهجة » و « إنكارات على القرّاء » . وقد نهى النبيّ صلى الله عليه وآله عنه ، فضلا عن كونه كالمتقيّء ممّا يستبشعه الذوق وينفر منه الطبع . راجع : النهاية ، ج 5 ، ص 7 ؛ ولطائف الإشارات للقسطلاني ، ج 1 ، ص 208 . ( 4 ) - راجع : « غلوّ في الأدب » . ( 5 ) - الزمر 28 : 39 . ( 6 ) - الأحقاف 12 : 46 . ( 7 ) - فصّلت 3 : 41 .