اجتازت هذه المراحل - ولكنّها في شيء من التساهل وإهمال جانب الدقّة الكاملة ، ولاسيّما في المرحلة الثالثة التي كانت بحاجة شديدة إلى اهتمام أكثر .
ففي مرحلة جمع المصاحف وإمحائها فقد أرسل عثمان إلى كلّ أفق من يجمع المصاحف أو الصحف التي فيها قرآن وأمر بها أن تحرق . « 1 »
قال اليعقوبي : وكتب في جمع المصاحف من الآفاق حتى جمعت ، ثمّ سلقها بالماء الحارّ والخلّ . وقيل : أحرقها . فلم يبق مصحف إِلّا فعل به ذلك ، خلا مصحف ابنمسعود ، فامتنع أن يدفع مصحفه إلى عبداللّه بنعامر . فكتب إليه عثمان أن أشخصه . فدخل ابن مسعود المسجد وعثمان يخطب ، فقال عثمان : إنّه قد قدمت عليكم دابّة سوء . فكلّم ابن مسعود بكلام غليظ . فأمر به عثمان فجرّ برجله حتى كسر له ضلعان ، فتكلّمت عائشة وقالت قولًا كثيرا . « 2 »
وفي المرحلة الثانية ، كان عثمان في بدء الأمر زعمها هيّنة ، ومن ثمّ اختارلها جماعة غير أكفاء ، ثمّ لجأ أخيرا إلى جماعة آخرين وفيهم الأكفاء مثل سيّد القرّاء « 3 » الصحابي الكبير ابيّ بنكعب . كما وأرسل إلى الربعة التي كانت في بيت حفصة ، وهي الصحف التي جمع فيها القرآن أيام أبي بكر . فطلبها لتكون سندا وثيقا للمقابلة عليها والاستنساخ منها . فأبت حفصة لأوّل أمرها أن تدفعها إليه ، ولعلّها خافت أن تأخذ مصيره إلى الحرق والتمزيق كسائر المصاحف ! حتى عاهدها عثمان ليردّنها فبعثت بها إليه . « 4 »
وهكذا وجّه نداءً عامّا إلى كافّة المسلمين : عزمت على من عنده شيمن القرآن سمعه من رسولاللّه صلى الله عليه وآله لما أتاني به . « 5 »
هامش
( 1 ) - صحيح البخاري ، ج 6 ، ص 226 .
( 2 ) - تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 159 - 160 .
( 3 ) - تهذيب التهذيب : ج 1 ، ص 187 ؛ والطبقات : ج 3 ، ص 62 .
( 4 ) - المصاحف ، ص 9 ؛ وصحيح البخاري ، ج 6 ، ص 226 .
( 5 ) - المصاحف ، ص 24 .