والسبب شيء واحد : هو ما كان المؤمنون على رجاء أن يترحّم على آبائهم وامّهاتهم وأقربائهم الذين ماتوا على الكفر ، ملتمسين من النبيّ صلى الله عليه وآله أن يساعدهم على هذه الأُمنية ، فنزلت الآية لتقطع أملهم في ذلك إذا كانوا علموا من آبائهم البقاء على الشرك حتى الموت :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » .
« 1 » ولتوضيح أكثر راجع تفسير الآيتين . « 2 »
الثالثة والرابعة : قوله تعالى :
« لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ » .
« 3 » وهما آخر سورة براءة .
قال ابنالغرس : إنّهما مكّيتان . قال جلالالدين : وهذا غريب ، كيف وقد ورد أنّهما آخر ما نزل . « 4 »
قلت : لم يثبت نزول الآيتين بمكة ، ولاذكر قائله دليلًا أو سندا لذلك . فثبت الآية في سورة مدنيّة - ولاسيّما هي آخر السور المدنيّة - هو بذاته دليل على نزولها بالمدينة ، حيث الأصل الأوّل في الآيات هوالثبت الطبيعي تباعا حسب النزول . مضافا إلى ما ورد في سبب نزولهما : جاءت جهينة تسأل رسولاللّه صلى الله عليه وآله - أوّل قدومه المدينة - عهدا يأتمنون إليه ، فنزلت الآيتان . « 5 » كما روي أنّهما آخر الآيات القرآنية نزولًا بالمدينة . « 6 »
6 - سورة الرعد : مدنيّة
أخرج أبو الشيخ عن قتادة ، قال : سورة الرعد مدنيّة إِلّا قوله تعالى :
« وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ . . . » .
« 7 »
هامش
( 1 ) - النساء 48 : 4 و 116 .
( 2 ) - جامع البيان ، ج 10 ، ص 137 و 141 ؛ ومجمع البيان ، ج 5 ص 54 و 56 ؛ والدرّ المنثور ، ج 3 ، ص 264 و 266 .
( 3 ) - براءة 128 : 9 - 129 .
( 4 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 39 ؛ والدرّ المنثور ، ج 3 ، ص 296 .
( 5 ) - الدرّ المنثور ، ج 3 ، ص 297 .
( 6 ) - المصدر ؛ ومجمع البيان ، ج 5 ، ص 86 .
( 7 ) - الرعد 31 : 13 . راجع : الإتقان ، ج 1 ، ص 40 .