والثالثة :
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً » .
« 1 »
وهذه الأخيرة أنسب وأولى بالقبول ، كما روي ذلك عن الإمامين : محمد بنعلي الباقر ، وجعفر بنمحمد الصادق عليهماالسلام . « 2 »
إذن فالصحيح في الآية الأُولى هو ما قاله أبو جعفر الطبري : هي عامّة ، تصف موقف الإنسان عموما تجاه رسالات الأنبياء عليهم السلام : فمن منكر معاند لايصدّق بأي رسالة جاءت من قبل اللّه . وآخر مسترسل ضعيف يؤمن بكلّ دعوى رساليّة ، حتى ولو كانت نزغة شيطانيّة من غير تدبّر ولاتفكير صحيح . ومن ثمّ وبّخت الآية هذا النمط من الاسترسال الهابط ، وتلك الجرأة الظالمة تجاه ربّ العزّة ، فيفترى عليه تعالى ظلما وعدوانا .
ولامساس للآية بقضية ابن أبيسرح بالخصوص .
على أنّ قوله تعالى :
« سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ »
« 3 » لا ينطبق مع موقف ابن أبيسرح تجاه رسولاللّه صلى الله عليه وآله . نعم كان ينطبق عليه لو كانت الآية هكذا : « سأنزل مثل ما أنزل محمد » . . . !
وقد ناقض سيد قطب هنا بشأن الآية ، ففي موضع رجّح كون السورة مكّية كلّها ، وفي موضع آخر اعتمد على روايات الاستثناء . « 4 »
الخامسة قوله تعالى :
« أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ » .
« 5 »
وليس في الآية ما يدعو إلى الظنّ بأنّها مدنيّة إِلّا ذكر أهل الكتاب فيها . وقد سبق أنّ هذا وحده ليس دليلًا ، فقد ورد مثلها في آيات مكّية كثيرا . ويرجع السبب إلى ثقة العرب المشركين بمن جاور بلادهم من أهل الكتاب ، فيرونهم أهل علم ودراية ، ومن ثمّ قال
هامش
( 1 ) - النساء 137 : 4 .
( 2 ) - تفسير العياشي ، ج 1 ، ص 281 ، ح 288 . وامّا الذي جاء في التفسير المنسوب إلى علي إبراهيم القمي ، ج 1 ، ص 210 من نزول آية الأنعام 93 بشأن ابن أبيسرح ، ففيه من المناكير مايرفض صدوره من المعصوم عليه السلام إذ فيه أنّ رسولاللّه صلى الله عليه وآله كان يُقرّه على تبديله النصّ ويقول له : هو واحد . . ! !
( 3 ) - الأنعام 93 : 6 .
( 4 ) - في ضلال القرآن ، ج 7 ، ص 106 و 306 .
( 5 ) - الأنعام 114 : 6 .