أوقع هذا القائل في الوهم المذكور ما وجده في قوله تعالى :
« تَجْعَلُونَهُ . . . »
على وجه الخطاب . ولكن الأصوب من القراءة أنّها بياء الغيبة . « 1 »
قلت : ونحن إذ نصادق أبا جعفر في هذا التحقيق ، نضيف إليه : أنّ القصة التي ذكروها بشأن مالك بن الصيف في محاورته تلك مع النبيّ صلى الله عليه وآله تتنافى تماما مع خُلق رسول اللّه الكريم ، النبيّ لايجرح من عاطفة إنسان إطلاقا ، كما وننزّه كتاب اللّه العزيز عن التعرّض لهكذا أمور تافهة لا قيمة لها ، أو تنزل بشأنها آية ! !
إذن فقوله :
« وَعُلِّمْتُمْ . . . »
خطاب موجّه إلى المشركين ، بعد تلك الحكاية - بصورة الغيبة كما رجّحها أبو جعفر - عن أهل الكتاب .
وأمّا القراءة المشهورة بتاء الخطاب في الجميع ، فلاتستدعي اختصاص الخطاب بأهل الكتاب ، بل إلى البشرية باعتبار فعل بعضهم ممّن نزل عليهم الكتاب . ولاسيّما ومساس العرب المشركين مع اليهود ومخالطتهم معهم في الجزيرة ، ومن ثمّ جاء الكلام عن بني إسرائيل في سور مكّية كثيرا ، كما في سورة الأعراف . « 2 »
ويشهد بذلك قوله تعالى :
« فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
« 3 » خطابا مع أهل مكة ، وسورة الأنبياء المكّية أيضا . « 4 » وقد كان للعرب صلة وثيقة وثقة بأهل الكتاب ، ويعرفونهم أهل علم وثقافة ، وكثيرا مايسألونهم عن تاريخ الأُمم والأنبياء ويعتمدون كلامهم ، فجاز أن يخاطبوا بخطاب اليهود المجاورين لهم المخالطين معهم الموثوق بهم عندهم !
الرابعة : قوله تعالى :
« وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ » .
« 5 »
قالوا : نزل قوله تعالى :
« وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى . . . »
في عبداللّه بنسعد بن أبيسرح أخي عثمان من الرضاعة . وكان أسلم وكتب الوحي لرسولاللّه صلى الله عليه وآله ولمّا نزلت :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا
هامش
( 1 ) - جامع البيان ، ج 7 ، ص 178 . وهكذا وافقه سيد قطب في « في ظلال القرآن ، ج 7 ، ص 302 - 303 » .
( 2 ) - الآية : 102 و 160 .
( 3 ) - النحل 43 : 16 .
( 4 ) - الآية : 7 .
( 5 ) - الأنعام 93 : 6 .