وهذا اختيار ابن جريج « 1 » والسدّي ، وأسنده الأخير إلى ابن عباس أيضا . « 2 » ونقله القرطبي عن مقاتل بن حيّان . ووافقه الحليمي والماوردي وغيرهما . « 3 »
غير أنّ هذا الاختيار ، يخالفه ظاهر قوله تعالى :
« أُنْزِلَ فِيهِ »
أو
« أَنْزَلْناهُ »
حكاية عن حدث سابق ، فلوصحّ هذا القول لكان المناسب أن يقول : ننزله ، صفة للحال !
وأيضا يردّه ما استبعدناه على الرأي الخامس الآتي : ما هي الفائدة المتوخّاة من نزول قرآن قبل الحاجة إليه ، ولاسيّما في صيغة جملة الماضي أو الحال ، المستدعية كونها نزلت لمناسبة وقتيّة ، لاموقع لنزولها قبل ذلك ، حسب التعبير اللفظي !
3 - شهر رمضان الذي نزل في شأنه القرآن ، أي في فرض صيامه ، كما يقال : نزل في فلان ، أو في مناسبة كذا قرآن . والمراد من القرآن آية أو آيات منه . « 4 »
قال الضحّاك :
« شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » ،
« 5 » أي الذي انزل صومه في القرآن . « 6 » وقال سفيان بن عيينة : معناه : انزل في فضله القرآن . واختاره الحسين بن الفضل وابن الأنباري . « 7 »
لكن هذا الوجه يخصّ آية البقرة ، ولا يجري في آيتي الدخان والقدر ، كما لا يخفى .
فضلا عن أنّه تأويل في اللفظ لامبرّر له ولا مستند .
4 - إنّ معظمه نزل في أشهر رمضان ، ومن ثمّ صحّ نسبة الجميع إليه .
وهذا احتمال ثان احتملهما سيّد قطب ، قال : الشهر الذي انزل فيه القرآن إمّا بمعنى أنّ بدء نزوله كان في رمضان ، أو أنّ معظمه نزل في أشهر رمضان . « 8 »
لكن لا دليل على أنّ معظم آيات القرآن نزلت في أشهر رمضان وفي ليلة القدر بالخصوص . ولعلّ الواقعيّة تأبى هذا الاحتمال رأسا .
5 - القرآن نزل جملة واحدة في ليلة واحدة ، هي ليلة القدر ، إلى بيت العزّة أو البيت
هامش
( 1 ) - الدرّ المنثور ، ج 1 ، ص 189 .
( 2 ) - مجمع البيان ، ج 1 ، ص 276 .
( 3 ) - الإتقان ، ج 1 ، ص 118 .
( 4 ) - مجمع البيان ، ج 1 ، ص 276 ؛ والكشاف ، ج 1 ، ص 227 .
( 5 ) - البقرة 185 : 2 .
( 6 ) - الدرّ المنثور ، ج 1 ، ص 190 .
( 7 ) - التفسير الكبير ، ج 5 ، ص 85 .
( 8 ) - في ظلال القرآن ، ج 2 ، ص 245 .