تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
كلام الراغب الأصفهانيّ أقول : وللراغب الأصفهانيّ كلام في هذا المقام يعجبني نقله ، قال : من كان قصده الوصول إلى جوار اللّه والتوجّه نحوه كما قال تعالى :
« فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ »
« 1 » وكما أشار إليه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقوله : « سافروا تغنموا » . فحقّه أن يجعل أنواع العلوم كزاد موضوع في منازل السفر فيتناول في كلّ منزل قدر البلغة ولا يعرج « 2 » على تفصّيه واستغراق ما فيه فانّه لو قضى الإنسان جميع عمره في فنّ واحد لم يدرك قعره ولم يسبر غوره وقد نبّهنا الباري سبحانه على ذلك بقوله :
« الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ »
« 3 » . وقال أمير المؤمنين عليه السّلام : العلم كثير فخذوا من كلّ شيء أحسنه . وقال الشاعر :
قالوا خذ العين من كلّ فقلت لهم * في العين فضل ولكن ناظر العين
وقال بعض الحكماء في ذلك : انّ الشجرة لا يشينها قلّة الحمل إذا كانت ثمرتها يانعة . ويجب أن لا يخوض في فنّ حتّى يتناول من الفنّ الذي قبله بلغته ويقضي منه حاجته ، فازدحام العلم في السمع مضلّة للفهم وعليه قوله تعالى :
« الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ »
« 4 » أي لا يجاوزون فنّا حتّى يحكموه علما وعملا ، ويجب أن يقدّم الأهمّ فالأهمّ من غير إخلال بالترتيب ، وكثير من الناس ثكلوا الوصول بتركهم الأصول . وحقّ الطالب أن يكون قصده من كلّ علم يتحرّاه التبلّغ به إلى ما فوقه حتّى يبلغ به النهاية والنهاية هي معرفة اللّه سبحانه فالعلوم كلّها خدم لها وهي حرّة ، وروي انّه رئيت صورة حكيمين من الحكماء في بعض
هامش
( 1 ) سورة الذاريات / الآية 50 . ( 2 ) التعريج : الإقامة على الشيء ، وفصّيته تفصية : خلّصته ( القاموس ) . ( 3 ) سورة الزمر / الآية 18 . ( 4 ) سورة البقرة / الآية 121 .