تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
ظريفا مفاكها خفيف الروح مليح الطبع لا يتمكّن من نفسه الغموم والهموم ولهذا يقال انّه لم يظهر عليه أثر الشيبة إلى أن بلغ ستين سنة ، ولم يمت حتّى ناهز عمره التسعين ، توفي حدود سنة ( 216 ) وكان في أوائل أمره معسرا شديد الفاقة حتّى اتّصل بالرشيد وحسن حاله ، وكان يرتجل كثيرا من الأخبار المضحكة والأقاصيص المستغربة ، وكان حسن العبارة حتّى قيل في حقّه انه يبيع البعرة في سوق الدرّة بعكس أبي عبيدة ، قدم بغداد في أيّام الرشيد مع أبي عبيدة فقيل لأبي نؤاس ذلك فقال : أمّا أبو عبيدة فإذا أمكنوه قرأ عليهم أخبار الأوّلين والآخرين ، وأمّا الأصمعي فبلبل يطربهم بنغماته ، وحكي أنّه كان شديد الحفظ يحفظ اثني عشر ألف أرجوزة وإذا انتقل حمل كتبه في ثمانية عشر صندوقا ، ولمّا تولّى المأمون كان الأصمعي قد عاد إلى البصرة فاستقدمه فاعتذر بضعفه وشيخوخته فكان المأمون يجمع المشكل من المسائل ويسيرها إليه فيجيب عنها . حكي عنه قال : مررت بكنّاس بالبصرة يكنس كنيفا ويغنّي :
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر
فقلت : أمّا سداد الكنيف فأنت مليّ به وأمّا الثغر فلا علم لي بك كيف أنت فيه ، وكنت حديث السنّ فأردت العبث به فأعرض عنّي مليّا ثمّ أقبل عليّ فأنشد متمثّلا :
وأكرم نفسي انّني إن أهنتها * وحقّك لم تكرم على أحد بعدي
قال : فقلت له : واللّه ما يكون من الهوان شيء أكثر ممّا بذلتها له فبأيّ شيء أكرمتها ؟ فقال : بلى واللّه انّ من الهوان لشرّا ممّا أنا فيه ، فقلت : وما هو ؟ فقال : الحاجة إليك وإلى أمثالك من الناس ، فانصرفت عنه وأنا أخزى الناس . تنقيح المقال : وفي كتاب الأضداد لابن الأنباري أو معجم الأدباء انّ أبا قلابة كان صديقا للأصمعي وكان أبو قلابة شيعيّا والأصمعي ناصبيّا فلمّا مات الأصمعي خرج أبو قلابة خلف جنازته يمشي وهو يقول :