النواظر والأسماع ، فما من فنّ الّا وله فيه القدح المعلّى ، والمورد العذب المحلّى ، إن قال لم يدع قولا لقائل ، أو طال لم يأت غيره بطائل ، وما مثله ومن تقدّمه من الأفاضل والأعنان ، الّا كالملّة المحمدية المتأخرة عن الملل والأديان ، جاءت آخرا ففاقت مفاخرا ، وكلّ وصف قلت في غيره فانّه تجربة الخاطر .
مولده : بعلبك عند غروب الشمس يوم الأربعاء لثلاث عشر بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة ، وانتقل به والده وهو صغير إلى الديار العجمية فنشأ في حجره بتلك الأقطار المحميّة ، وأخذ عن والده وغيره من الجهابذ ، حتى اذعن له كلّ مناضل ومنابذ ، فلمّا اشتدّ كاهله ، وصفت له من العلم مناهله ، ولّى بها شيخ الإسلام ، وفوّضت إليه أمور الشريعة على صاحبها الصلاة والسلام ، ثمّ رغب في الفقر والسياحة ، واستهبّ من مهابّ التوفيق رياحه ، فترك تلك المناصب ومال لما هو بحاله مناسب ، فقصد حجّ بيت اللّه الحرام وزيارة النبيّ وأهل بيته الكرام ، ( عليهم أفضل التحية والسلام ) ، ثمّ أخذ في السياحة فساح ثلاثين سنة ، وأوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ، واجتمع في أثناء ذلك بكثير من أرباب الفضل والحال ، ونال من فيض صحبتهم ما تعذّر على غيره واستحال ، ثمّ عاد وقطن بأرض العجم ، وهناك همى غيث فضله وأنسجم وألف وصنّف وقرط المسامع وشنف ، إلى أن قال : وكانت له دار مشيدة البناء ورحبة الفناء ، يلجأ إليه الأيتام والأرامل ، ويفد عليها الراجي والآمل ، فكم مهد بها وضع وكم طفل بها رضع ، وهو يقوم بنفقتهم بكرة وعشيّا ، ويوسعهم من جاهه جنابا مغشيّا ، مع تمسّكه من التقى بالعروة الوثقى ، وايثاره الآخرة على الدنيا ، والآخرة خير وأبقى ، ولم يزل آنفا من الانحياش إلى السلطان ، راغبا في الغربة عازفا عن الأوطان ، يؤمّل العود إلى السياحة ، ويرجو الاقلاع عن تلك المساحة ، فلم يقدر له حتّى وافاه حمامه ، وترنّم على أفنان الجنان حمامه .
سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار — صفحة 422
مساهمون: الشيخ عباس القمي
ص٤٢٢