كلام مبتدأ من الإمام ( ع ) ، ولا مبرر واضحاً لأن يورد ابتداءً حكماً تقوياً فضلًا عن أن يردفه بتعليل له . ثم على تقدير أن تكون الرواية صادرة عن الباقر ( ع ) فلا مخالف من العامة في حرمة الغراب في زمنه ( ع ) ، فإن أبا حنيفة لاحقٌ له وتلميذ للصادق ( ع ) . نعم لو كانت الرواية عن الصادق ( ع ) فإنه لو أمكن حمل صدرها على التقية ، ولو لرأي أبي حنيفة في الغراب الأسود - وهذا هو الفرض البعيد المشار إليه - إلا أن المبِّعدات الأُخَر من البيان المبتدأ والتعليل واحتمال كون المروي عنه هو الباقر ( ع ) تبقى قائمة .
وأما الرواية الثانية فإنها قد اشتملت على حلية لحوم الحمر الأهلية ولما كانت مذاهب العامة أجمع على حرمتها فلا محل لحمل هذه الحلية على التقية ، وأما تذييلها ب - ( إنما الحرام ما حرم الله في القرآن ) فمن الجائز أن يكون قد صدر إلزاماً للخصم لا تعليلًا للحكم وهو الحلية .
وأما الرواية الثالثة فيمكن أن يُقال - كما أفاد المقدس الأردبيلي ( قدس سره ) - بأنها لا تدل على نفي التحريم عن العناوين المسؤول عنها ؛ إذ ما قال ( إنها ليست بحرام ) بل قال ( إنما الحرام ما حرم الله ) فانظر إن كان شيء حرَّمه فهو حرام وإلا فحلال ، وحينئذٍ قد تكون العناوين المسؤول عنها من السباع وغيرها حراماً في القرآن بقوله
( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ )
، وليس كلها كذلك ، ولهذا أفرد بعد ذلك ذكر الحمر بنفي التحريم .
وأما الرواية الرابعة فهي - بعد معارضتها للمستفيض الدال على حرمة الجرِّي والمارماهي والزمّير وما لا قشر له من السمك « 1 » - موافقة للعامة ، فتحمل على التقيَّة ، لا لأن النوبة قد وصلت إلى الترجيح بمخالفة العامَّة ، بل لأن لحنها مما يستشم منه رائحة التقية ؛ إذ أن الإمام ( ع ) لم يجب عن سؤال الراوي بنحو مباشر وبالصراحة مؤذناً
هامش
( 1 ) الوسائل 130 : 24 - 137 ب 9 من أبواب الأطعمة المحرمة ، وفيه 23 رواية .