تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
ترجمة نهاوند « وجدت كما هي » سميت بذلك لأنها لم توجد بعد الطوفان قرية فيها بقية سواها . ونهاوند « 1 » مدينة جليلة على جبل ، ذات سور طين ، ولها بساتين وجنّات وفواكه ومتنزهات ، ومياهها كثيرة وفواكهها تحمل إلى العراق لطيبها وكبرها ، وبها جامعان أحدهما قديم والآخر محدث ، وهي كثيرة الرساتيق والعمارات . وفيها كان اجتماع الفرس لمّا لقيهم النعمان بن مقرن المزني سنة ثلاث وعشرين . قال الهمداني : لم يوجد مما كان تحت الماء وقت الغرق من القرى قرية فيها بقية سوى نهاوند وكان عمر رضي اللّه عنه قال للهرمزان « 2 » : أما إذ فتني بنفسك فأشر علي ، أبفارس أبدأ أو بالجبال : آذربيجان وأصبهان ؟ قال : فارس الرأس ، والجبال جناحان ، فاقطع الجناحين فلا يتحرك الرأس ، قال عمر رضي اللّه عنه : بل أقطع الرأس فلا يقوم جسد ولا جناح ولا رجل . وكتب ابن كسرى إلى أهل الجبال : أصبهان وهمذان وقومس : إن العرب قد ألحّوا علي . فاجتمعوا بنهاوند وتعاقدوا على غزو أمير العرب ، يعنون عمر رضي اللّه عنه ، في بلاده ، فكتب أهل الكوفة بذلك إلى عمر رضي اللّه عنه : فقام على المنبر فقال : أين المسلمون ؟ أين المهاجرون والأنصار ؟ فاجتمع الناس . فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه وقال : إن عظماء أهل الري وأهل أصبهان وأهل همذان وأهل نهاوند وأهل قومس وأهل حلوان ، أمم مختلفة ألوانها وألسنتها وأديانها ومللها ، وقد تعاقدوا على أن يخرجوا إخوانكم من بلادهم ، وأن يغزوكم في بلادكم ، فأشيروا علي وأوجزوا ولا تطنبوا ، فمنهم من صرف الأمر إليه وولاه ما تولّى ، ليمن نقيبته وخبرته ، ومنهم من أشار بأن يتوجه إليهم بأهل الحرمين وأهل اليمن والشام حتى يلقى الجمع الجمع ، ومنهم من أشار بأن يكتب إلى أهل البصرة فليفترقوا ثلاث فرق : فرقة في ديارهم ، وفرقة في أهل عهدهم ، وتسير فرقة إلى إخوانهم بالكوفة ، قال : هذا رأيي وكنت أحب أن أتابع عليه ، لعمري لئن سرت بأهل الحرمين ونظر إليّ الأعاجم لتنقضنّ الأرض وليمدنهم من لم يمدهم ، وليقولن : أمير العرب إن قطعناه قطعنا أصل العرب . فكتب « 3 » إلى النعمان بن مقرن ، وكان بكسكر ، وكان قد كتب إلى عمر رضي اللّه عنه : يا أمير المؤمنين إنما مثلي ومثل كسكر مثل شاب عند مومسة تلوّن له كل يوم وتعطّر ، وأنا أذكرك اللّه تعالى إلا بعثتني في جيش إلى ثغر غازيا ولا تبعثني جابيا ، فندب عمر رضي اللّه عنه أهل المدينة ، فانتدب منهم جمع فوجههم إلى الكوفة ، وكتب إلى عمار بن ياسر رضي اللّه عنه أن يستنفر ثلث أهل الكوفة فيسيروا إلى العجم بنهاوند ، فقد وليت عليهم النعمان ابن مقرن ، وكتب إلى أبي موسى رضي اللّه عنه يستنفر ثلث أهل البصرة إلى نهاوند ، وكتب إلى النعمان : إني وجّهت جيشا من أهل المدينة وأهل البصرة وأهل الكوفة إلى نهاوند ، وأنت على الناس ، ومعك في الجيش طليحة بن خويلد وعمرو بن معدي كرب ، فأحضرهما الناس وشاورهما في الحرب ، فإن حدث بك حدث فأمير الناس حذيفة ، فإن قتل فجرير ، فإن قتل فالمغيرة ابن شعبة . وبعث عمر « 4 » رضي اللّه عنه بالكتاب مع السائب بن الأقرع ابن عوف وقال له : ان سلم اللّه تعالى ذلك الجند فقد وليتك مغانمهم ومقاسمهم ، فلا ترفعوا لي باطلا ، ولا تمنعن أحدا حقه ، وإن هلك ذلك الجند فاذهب في الأرض فلا أرينك أبدا . فسار جميعهم إلى نهاوند ، وسار النعمان ، فتوافوا بنهاوند وبها من الأعاجم ستون ألفا عليهم ذو الفروة ، وهو ذو الحاجب ، وقد خندقوا وهالوا في الخندق ترابا قد نخلوه ، وبعث النعمان طليحة ابن خويلد ليعلم علم القوم ، فأبطأ حتى ساء ظن الناس به ، فعلم علمهم ثم رجع ، فلم يمر بجماعة إلّا كبّروا ، فأنكر ذلك منهم ، وقال : ما لكم تكبّرون إذا رأيتموني ؟ قالوا : ظننا أنك فعلت كفعلتك ، قال : لو لم يكن دين لحميت أن أجزر العرب هذه الأعاجم الطماطم ، وأخبر الناس بعدة القوم وكثرتهم ، فقالوا : حسبنا اللّه ونعم الوكيل . وأقام النعمان أياما حتى يستجم الناس أنفسهم وظهرهم ، ثم
هامش
( 1 ) نزهة المشتاق : 204 ، وانظر ياقوت ( نهاوند ) ، وابن رسته : 166 ، والمقدسي : 393 . ( 2 ) الطبري 1 : 2600 2436 مع ايجاز واختيار . ( 3 ) انظر الطبري 1 : 2596 . ( 4 ) انظر الطبري 1 : 2598 .