النشاب ، وجملة وافرة من الطعام ، فصلّوا الجمعة بيابسة وأقلعوا غدوة السبت الرابع والعشرين من ذي الحجة مكمل سنة تسع وتسعين وخمسمائة ، فأتوا ميورقة ونزلوا وتقرب العسكر من المدينة ودار الأسطول بالمرسى مع السيد أبي العلا ، وخرج إليهم عبد اللّه بجموعه ، فنشبوا في القتال ودافعوا كل الدفاع ، وآخر ذلك انهزم ثم صرع فقتل ، وغلق باب المدينة فأحاطت بها الرماة وغزاة البحر ، فتغلبوا عليها فدخلت ونهبت ، ولم يسلم إلا قصبتها ، ودخل السيد أبو العلا وأبو سعيد البلد ورأس عبد اللّه معهما على قناة بيد رجل غزّيّ كان قطعه ، فنهيا الناس عن النهب وأمرا بضرب عنق رجل فعل ذلك وخالف النهي ، وطيف برأسه ، وأمّنا الناس ونودي بالأمن في الأزقة والقصبة ، فخرج الناس وأمنوا ، وكتبا إلى الملك الناصر بالفتح .
وكان السبب في التوجه إلى ميورقة أن المنصور يعقوب كان وجّه إلى صاحب ميورقة علي بن إسحاق بن محمد بن غانية يستدعي بيعته ، فأنف من ذلك وأساء الرد واحتال على الرّسل حتى اعتقلهم وأودعهم في السجون ، ثم تحرك من ميورقة علي المذكور إلى بجاية ، فاحتال حتى استولى عليها وملكها ، ولما تم له ذلك أتى الجزائر فدخلها ، ثم مليانة ومازونة ، ثم دخل أشير عنوة ثم أتى القلعة فملكها ، وبعد ثلاث من دخولها كانت له في العرب الحطمة المشهورة ، وبث في هذه البلاد عمالا وحكاما ، ثم قصد قسنطينة فسار إليها وحاصرها أشهرا فلم يفلح ، وهناك بلغه أن عسكرا بريا وأسطولا بحريا هائلين أتياه من المغرب ، ووصل الأسطول والعسكر إلى بجاية ، فأخرجا نائبه منها وهو أخوه يحيى ، فتوجه إلى أخيه علي وهو على قسنطينة ، وخلّى للقوم بلدهم ، ثم توجها معا نحو القبلة ، ومرّا بالقلعة فاستأصلاها ، ثم سار علي إلى قفصة فأخذها ثم توزر ، ومع ذلك جاء عسكر المغرب فيه المنصور يعقوب فجهز إليه عسكرا فالتقوا بوطاة عمرة ، فكانت الوقيعة المشهورة والهزيمة العظيمة على عسكر المنصور بعد الاثخان الكثير في أصحابه ، وتبددوا في الصحراء .
وكان أول خروج ابن غانية من ميورقة لذلك في سنة ثمانين وخمسمائة ، وهي السنة التي مات فيها صاحب مراكش والمغرب يوسف بن عبد المؤمن ، ثم بقي علي بن إسحاق وأخوه يحيى يهيمان في تلك الجهات ؛ ولمّا بلغ المنصور خبر وقيعة عمرة وما جرى فيها على عسكره امتعض من ذلك واستبدّ برأيه ، فتوجه بنفسه حتى نزل على قفصة فحاصرها حصارا عظيما إلى أن نزلوا على حكمه ، فحكم فيهم بالسيف ، وأثر فيهم الأثر الشنيع ، وهدم سورها ، ولابن مجبر في ذكر ذلك قصيدة مليحة جدا ، منها :
ما غرّ قفصة إلا انها اجترمت * فلم يكن عند أهل الحلم تثريب
ما بالها زار أمر اللّه حوزتها * فلم يكن عندها أهل وترحيب
وقد ذكرنا ذلك في حرف العين عند ذكر عمرة .
وبعد ذلك كله مات علي بعد أن تفرق جمعه ، قيل سهم أصابه وهو على توزر سنة خمس وثمانين وخمسمائة ، وتمادت ميورقة على امتناعها إلى أن توفي المنصور في شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين وخمسمائة ، وولي ابنه الملك الناصر ، فوجّه إليها الجيوش وحكم عليها كما قلناه . ثم لم تزل ولاة الملك الناصر تختلف على ميورقة إلى أن كانت المصيبة العظمى والحادث الشنيع بهزيمة العقاب عليه سنة تسع وستمائة ، ثم إن الطاغية البرشلوني تحرك إلى ميورقة عازما عليها فنزل عليها أسطوله في شوّال سنة ست وعشرين وستمائة ، فأراها من القتال وشدة الحصار وأنواع المحن ما لم يجر مثله في زمان وحكم عليها عنوة بعد طول الحصار والقتل والسبي ، ثم أخذ وإليها ابن يحيى فعذّبه أشد العذاب حتى مات ، واستولى الشّرك على الجزيرة في عام سبعة وعشرين وستمائة .
ميلة :
مدينة على أربع مراحل من قلعة حماد ، وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة ، خرج المنصور العبيدي أو غيره « 1 » غازيا لكتامة ، فلما قرب من ميلة زحف إليها عازما على استئصال أهلها ، فخرج إليه النساء والعجائز والأطفال بعد أن عبى جيوشه لمحاربتها ، فلما رأى من خرج إليه منها بكى ، وأمر ألا يقتل من أهلها أحد ، وأمر بهدم سورها وتسيير من فيها إلى باغاية ، فخرجوا بجماعتهم يريدونها وقد حملوا ما خفّ من أمتعتهم ، فلقيهم ماكسين بن زيري بعسكره فأخذ جميع ما كان معهم ، وبقيت ميلة خرابا ثم عمرت بعد
هامش
( 1 ) ليس هو المنصور العبيدي ، دون ريب ، وإنما هو أبو الفتح المنصور بن أبي الفتوح يوسف ابن زيري بن مناد الصنهاجي ، وخبر غزوه لميلة في ابن عذاري 1 : 243 ، والمؤلف يعتمد في النقل على البكري : 64 .