ومصلّى العيد في رأس الميدان في مربعة أبي جهم ، ويطوف به من جميع نواحيه البنيان والعمارات ، وهو على نهر وعليه أبنية كثيرة من المدينة ، وهو مما يلي ناحية سرخس . وللمدينة الداخلة أربعة أبواب : الباب الأول يلي المسجد الجامع ، وباب يعرف بباب سنجان ، وباب بالين وباب درمشكان « 1 » ، ومن هذا الباب يخرج إلى ما وراء النهر ، وعلى هذا الباب عسكر المأمون أيام مقامه بها إلى أن انتهت إليه الخلافة . ومرو أيضا كانت معسكر الإسلام في أوله ومنها استقامت مملكة فارس للمسلمين لأن يزدجرد ملك فارس قتل بها في طاحونة ، ومن مرو ظهرت دولة بني العباس لأن في دار أبي النجم المعيطي صنع أول سواد صنع ولبسته المسودة .
ومن صحة تربة مرو أن بطيخهم يقدّد ويحمل إلى سائر البلاد ، ولا يمكن في غيرها ، وتكون البطيخة الواحدة بها من ربع قنطار وأكثر ، ولا يكون موضع الزريعة منها إلا قدر موضع بيضة ، وتضع منه شرائح وتجفّف ، ويؤكل جافا أطيب منه رطبا وتصنع منه حلوى ، ويجد الذي يأكله له رائحة عطرة لا تشبه بشيء ، تبقى في يد المتناول أياما وإن غسل بغاسول ، وكان يجتلب منه للمأمون في كل عام بنحو عشرة آلاف دينار وأكثر ، ومن معادنها يكون الاشبوعان الذي يحمل إلى سائر البلاد ، ويرتفع من مرو الإبريسم والقز الكثير والقطن الذي ينسب في سائر البلاد إليها ، وهو غاية في اللين لا يعدل به ويتجهز به إلى الآفاق .
وحكوا ان امرأة من مرو كانت تلد البنات ، فقيل لها :
احمدي اللّه ، فقالت : لا أحمد اللّه ، فولدت قردة . قال المخبر :
فرأيتها ترضعها في حجرها .
وبمرو كان سرير سلطنة خراسان من قديم الزمان ، وفيها معظم العسكر ، فأرسل الططر في الخفية إلى البلد : إن أنتم قاتلتمونا مثل أهل بلخ ونيسابور وهراة لم يبق منكم أحد ، وفعلنا بكم كما فعلنا بهم ، ولا يغركم الجند فإنهم يفرّون على خيولهم ويتركونكم في أيدينا ؛ وأرسلوا إلى الجند : خلوا بيننا وبين الرعية والأموال وسيروا حيث تحبون ، فتجادل الصنفان ، وركن أهل البلد إلى تأمينهم ، فلما ملكوا المدينة لم يبقوا على بلدي ولا جندي ، ومن أفلت من الجند أدركته خيل الططر ، وخرجت عليهم [ من كمائنهم التي وضعوها في البساتين والرساتيق ، وجاءوا من كل حدب ينسيلون ، وانجلت الحال عن سبعمائة ألف قتيل من المسلمين ، وإنما عرف عددهم بأن وضعت عليهم ] « 2 » قطع القصب ، وكان القتلى بنيسابور وبلخ وهراة أكثر مما كانوا بمرو ، وهذه أمهات مدن خراسان التي كان المثل يضرب بعمارتها وعظمها ، خربوها وقتلوا أهلها في بعض سنة ، وفعلوا في مدارس هذه المدن وربضها ما تنبو عنه الأسماع ، فسبحان من أرسلهم لطي الدنيا .
مرو الروذ :
بخراسان أيضا ، والمرو بالفارسية المرح كما قلناه ، والروذ الوادي ، فمعناه : وادي المرح ، لأن اضافتهم مقلوبة والنسبة إليها مرورودي ، هذا هو المستعمل ، وان ينسب روذي .
وقالوا « 3 » : هذه أكبر من بوشنج وهي مدينة قديمة في مستو من الأرض بعيدة عن الجبال أرضها سبخة كثيرة الرمل وأبنيتها من الطين ، وهي على غلوة سهم من النهر ، وفيها ثلاثة مساجد للجماعات ، ولها قصبة في نشز مرتفع ، وماء المدينة يجلب إليها في قنوات كثيرة ، وللمدينة أربعة أبواب ، وبمرو نهر عظيم تنبعث منه أنهار وتسقى بها الرساتيق وجملة ضياعهم ، وفي هذه الضياع مبان متقنة ومتنزهات حسنة .
ومرو معتدلة الهواء حسنة الثرى ويقدد بها البطيخ ويحمل إلى كل الآفاق ، ويرتفع من مرو الإبريسم والقز الكثير ويتجهز منها بالقطن العجيب الذي ينسب في سائر الأقطار إليها ، وهو الغاية في اللين وتعمل منه بها الثياب تحمل إلى كل الآفاق ، ولها منابر مضافة إليها ومعدودة منها ، وبين مرو الروذ ومرو « 4 » الشاهجان ست مراحل ، ومرو الروذ ما بين مرو وبلخ وهي أقرب إلى مرو .
وافتتح مرو الروذ الأحنف بن قيس ، وهو من قبل عبد اللّه ابن عامر ، في خلافة عثمان رضي اللّه عنه .
هامش
( 1 ) تصحفت أسماء الأبواب في ص ع فجاءت : باب سنجار ، وباب البر وباب دسيطا ، وصوّبته عن الكرخي .
( 2 ) سقط من ع .
( 3 ) نزهة المشتاق : 143 ، وقارن بابن حوقل : 369 ، والكرخي : 152 ، والمقدسي : 291 ، وياقوت ؛ وتبدو بعض المعلومات مشتركة مع ما ذكر عن مرو الشاهجان ، فهل خلط الإدريسي بين المدنيتين أو أن النسخ مضطربة ؟
( 4 ) ص ع : وبين مرو .