بين يديه ، فذعر المنصور منه ذعرا شديدا ، ثم أخذه فجعل يقلبه ، فإذا مكتوب عليه بين الريشتين :
أتطمع في الحياة إلى التنادي * وتحسب أن ما لك من معاد
ستسأل عن ذنوبك والخطايا * وتسأل بعد ذاك عن العباد
ثم قرأ عند الريشة الأخرى :
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت * ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وساعدتك الليالي فاغتررت بها * وعند صفو الليالي يحدث الكدر
ثم قرأ عند الريشة الأخرى :
هي المقادير تجري في أعنتها * فاصبر فليس لها صبر على حال
يوما تريك خسيس القوم ترفعه * إلى السماء ويوما تخفض العالي
قال : وإذا على جانب السهم مكتوب : همذان منها مظلوم في حبسك ، فبعث من فوره بعدة من خاصته ففتشوا الحبوس والمطابق ، فوجدوا شيخا في بيت من الحبس فيه سراج يسرج ، وعلى بابه جارية مسبلة « 1 » ، وإذا الشيخ موثوق بالحديد متوجه نحو القبلة يردد هذه الآية
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
( الشعراء : 227 ) ، فسئل عن بلده فقال : همذان ، فحمل ووضع بين يدي المنصور ، فسأله عن حاله ، فأخبره أنه رجل من أبناء مدينة همذان وأرباب نعمتها ، وان واليك دخل إلى بلدنا ، ولي ضيعة في بلدنا تساوي ألف ألف درهم ، وأراد أخذها مني فامتنعت ، فكبلني في الحديد وحملني ، وكتب اني عاص ، فطرحت في هذا المكان ، فقال المنصور : مذ كم ؟ قال : مذ أربعة أعوام ، فأمر بفك الحديد عنه والاحسان إليه والاطلاق له وإنزاله أحسن منزل ، وقال : يا شيخ ، قد رددنا عليك ضيعتك بخراجها ما عشت وعشنا ، وأما مدينتك همذان فقد وليناك عليها ، وأما الوالي فقد حكمناك فيه وجعلنا أمره إليك ، فجزاه الشيخ خيرا ودعا له بالبقاء وقال : يا أمير المؤمنين ، أما الضيعة فقد قبلتها ، وأما الو لاية فلا أصلح لها ، وأما واليك [ فقد ] عفوت عنه ، فأمر له المنصور بمال جزيل وبرّ واسع ، واستحلّه وحمله إلى بلده مكرما بعد أن صرف الوالي وعاقبه على ما جنى من انحرافه عن سنة العدل ، وسأل الشيخ مكاتبته في مهماته وأخبار بلده ، وإعلامه بما يكون من ولاته على الحرب والخراج ، ثم أنشأ المنصور يقول :
من يصحب الدهر لا يأمن تصرّفه * يوما وللدهر إحلاء وإمرار
لكل شيء وان دامت سلامته * إذا انتهى فله لا بدّ إقصار
مدينة المائدة
« 2 » : في أحواز طليطلة ، سميت بذلك لأنها وجد فيها المائدة المنسوبة إلى سليمان بن داود عليهما السّلام ، وهي خضراء من زبرجد ، حافاتها منها وأرجلها ، وكان فيها ثلاثمائة وخمسة وستون رجلا ، وانتهى إليها طارق حين مضى إلى طليطلة سنة ثلاث وتسعين .
المدان
« 3 » : بلد بالحجاز ، به مات عيسى بن جعفر بن أبي جعفر سنة ثنتين وتسعين ومائة .
قال أبو العيناء : انصرف عيسى بن جعفر ليلة من عند الرشيد ، وفي إصبعه خاتم فضة ، فصّه ياقوت أحمر قيمته عشرة آلاف دينار ، فسقط فصه في الطريق ، فطلب فلم يوجد ، فقال : اطفئوا الشمع ، فلما أظلم الطريق أضاء الفص فأخذه .
المذار
« 4 » : بالعراق ، وهي [ مدينة ] ميسان ، على ضفة دجلة ،
هامش
( 1 ) مروج الذهب : ثوب مسبل .
( 2 ) بروفنسال : 179 ، والترجمة : 216 .
( 3 ) ص ع : المدائن ، ولا وجه لذكره هنا لو كان كذلك ، فقد ذكرت المدائن من قبل ؛ وعند ياقوت « المدان » بناحية الحرّة الرجلاء في ديار قضاعة ؛ والمدار - بالراء - موضع بالحجاز في ديار عدوان أو غدانة ؛ ومن الصعب الاهتداء إلى حقيقة ما يريده المؤلف ، إذ قرن الموضع بوفاة عيسى بن جعفر بن أبي جعفر ، وعند ابن الأثير ( 6 : 208 ) أنه توفي بالدسكرة ؛ وعند ابن قتيبة ( المعارف : 379 ) أنه مات بدير بين بغداد وحلوان ، وهو شبيه بما قاله ابن الأثير .
( 4 ) قارن بنزهة المشتاق : 121 ، وياقوت ( المذار ) ، واليعقوبي : 322 .