وهي عامرة بالأسواق والتجارات ، وهي صغيرة في قدرها ، وبها مصانع ، وأهلها متنافسون فيما بينهم ، ولهم اهتمام بالأمور وصيانة لما بين أيديهم من أموالهم وشح مطاع ، ولهم مزارع كثيرة وعمارات جليلة وغلّات رائجة ، وهي ما بين واسط والبصرة .
وسميت « 1 » بالمذار لفساد تربتها ، والمذار : الفساد في الرائحة .
وكانت وقعة « 2 » المذار في صفر سنة اثنتي عشرة على يد خالد ابن الوليد ، في خلافة الصدّيق رضي اللّه عنهما ، خرج إليهم خالد في تعبئته ، فاقتتلوا على حنق وحفيظة ، ودعا قارن إلى البراز ، فبرز له خالد وأبيض الركبان معقل بن الأعشى بن النباش ، فابتدراه فسبقه إليه معقل فقتله ، وقتلت فارس مقتلة عظيمة ، وأقام خالد بالمذار وسلّم الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت ، وقسم الفيء ونفل من الأخماس ما نفل في أهل البلاد ، وبعث بقيتها إلى أبي بكر رضي اللّه عنه ، ودفع إلى أبيض الركبان سلب قارن وقيمته مائة ألف ، وإلى عاصم وعدي سلب النوشجان وقباذ ، وقتل ليلة المذار ثلاثون ألفا سوى من غرق ، ولولا المياه لأتي على آخرهم ، ولم يفلت منهم من أفلت إلا عراة وأشباه العراة ، ولم يلق خالد رضي اللّه عنه أحدا بعد هرمز إلا كانت الوقيعة الأخيرة أعظم من التي قبلها ، ومن ذلك السبي كان يسار أبو الحسن البصري ، وكان نصرانيا .
المروة
« 3 » : جبل بمكّة معروف ، والصفا جبل آخر بإزائه ، وبينهما قديد ينحرف عنهما شيئا يسيرا ، والمشلل هو الجبل الذي ينحدر منه إلى قديد ، وعلى المشلل كانت مناة ، فكان من أهلّ بها من المشركين ، وهم الأوس والخزرج يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة ، ثم استمروا على ذلك في الإسلام ، فأنزل اللّه تعالى :
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
( البقرة : 158 ) كذا روي عن عائشة رضي اللّه عنها . وقال أبو بكر بن عبد الرحمن : لمّا ذكر اللّه عزّ وجلّ الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة قالوا : يا رسول اللّه ، كنا نطوف بين الصفا والمروة ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ الآية . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في طوافه بينهما يمشي حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى ؛ وكان بدء هذا السعي أن إبراهيم عليه السّلام لما أتى بهاجر إلى مكّة وانتهى بها وابنها معها طفل صغير ، وليس معهما إلا مزود تمر وقربة ماء ، فأنزلهما هناك وانصرف عنهما ، تبعته فقالت : يا إبراهيم اللّه أمرك بهذا ؟ قال : نعم ، قالت : اذن لا يضيعنا ، فمكثت حتى فني الزاد والماء وانقطع لبنها ، وجعل الصبي يتلمظ ، فذهبت إلى الصفا فوقفت عليه ، هل ترى من مغيث ، فلم تر أحدا ، فذهبت تريد المروة ، فلما صارت في بطن الوادي سعت حتى خرجت منه ، فأتت المروة فوقفت عليها ، هل ترى أحدا ، وترددت بينهما سبعة أشواط ، فصارت سنّة .
وذو المروة
« 4 » من أعمال المدينة ، قرى واسعة لجهينة .
مرّ الظهران
« 5 » : بفتح أوله وتشديد ثانيه وبالظاء المعجمة ، موضع بينه وبين البيت ستة عشر ميلا ، وردّ عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه الذي ترك طواف وداع البيت من مرّ الظهران ، وكانت منازل عك مرّ الظهران ، سميت مرّ لمرارة مياهها ؛ وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ينزل المسيل الذي من أدنى مرّ الظهران حتى يهبط من الصفراوات ، وليس بين منزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين الطريق إلا مرمى حجر ، وهناك نزل عند صلح قريش .
وبمرّ الظهران حصن كبير يسمى البوقة ، وفيه كان مسكن أمير مكّة شكر بن الحسن بن علي بن جعفر الحسني ، وهناك ضياع كثيرة لأهل مكة ولبني جمح وبني مخزوم وغيرهم .
وببطن « 6 » مرّ تخزعت خزاعة عن اخوتها فبقيت بمكّة وسارت اخوتها إلى الشام أيام سيل العرم ، قال حسّان بن ثابت رضي اللّه عنه « 7 » :
ولمّا نزلنا بطن مرّ تخزعت * خزاعة عنا في الحلول الكراكر
هامش
( 1 ) معجم ما استعجم 4 : 1203 .
( 2 ) الطبري 1 : 2026 .
( 3 ) معجم ما استعجم 4 : 1217 .
( 4 ) المصدر السابق : 1218 .
( 5 ) المصدر السابق : 1212 ، ونقل عن الروض صاحب صبح الأعشى 4 : 260 وكذلك الناصري في رحلته ، وتوقف عند قوله : « وسمّي مرّ لمرارة مائه » فقال : « ما رأينا به نحن إلا المياه العذبة الدافقة ، فإن كان به غيرها من المياه فمسلم له قوله . . . » ، والمؤلف يتابع البكري الذي ينسب القول بمرارة الماء إلى كثيّر عزة ، وهو محض تعليل للاسم لا غير .
( 6 ) عاد إلى النقل عن معجم البكري .
( 7 ) نسبه ياقوت ( مرّ ) لعون بن أيوب الأنصاري الخزرجي .