تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
فما ترب أثرى لو جمعت ترابها * بأكثر من ابني نزار على العد هما كنفا الأرض اللذا لو تزعزعا * تزعزع ما بين الجنوب إلى السد
والسدّان المذكوران في قوله تعالى
بَيْنَ السَّدَّيْنِ
( الكهف : 93 ) جبلان سدا مسالك تلك الناحية من الأرض وبين طرفي الجبلين فتح هو موضع الردم ، وقيل : السدان أرمينية وأذربيجان ، وقيل : هما من وراء بلاد الترك الذين قالوا : يا ذا القرنين ، هم الذين كانوا بقرب السدّ . قالوا : وهذا السدّ بينه وبين حدود بلاد الخزر مسيرة شهر وأزيد . وذكر قتادة « 1 » ، قال رجل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : رأيت السد ، قال : « كيف رأيته ؟ » ، قال : كأنه حبرة ، قال : « فقد رأيته » . وبلاد يأجوج ومأجوج في الإقليم الخامس ، وبلاد يأجوج عامرة ، وهم عدد كثير وجمع غفير وأمم لا يحصون كثرة ، وبلادهم بلاد خصب ومياه جارية ومدائن كثيرة ، وهم من ولد سام بن نوح ، وهم المفسدون في الأرض ، وخلقهم خلق صغار جدا ، ولا يعرف ما ديانتهم ولا أي شيء معتقدهم . فأمّا يأجوج فكلهم قصار جدا ، حتى إن طول الرجل منهم لا يتجاوز ثلاثة أشبار ، ونساؤهم مثل ذلك ، وأوجههم مستديرة في غاية الاستدارة ، وعليهم شبه الزغب كثير جدا ، وآذانهم كبار مستديرة مسترخية حتى إن أذن الرجل إذا هي تعطفت تلحق طرف منكبه ، وكلامهم شبيه بالصفير والشرّة عليهم بادية ، وهم خفاف الوثوب ، وفيهم زنا فاحش ، وبلادهم بلاد ثلج وشتاء دائم والبرد عندهم لازم في كل الأوقات . ويقال : إن يأجوج ومأجوج أخوان لأب ولأمّ ، والغالب على ألوانهم البياض والحمرة ، ونكاحاتهم كثيرة ونتاجهم فاش ، وكانوا قبل أن يصل إليهم الإسكندر ويبني السد عليهم في باب جبلهم الذي كانوا يدخلون منه ويخرجون عليه ، يغيرون على من جاورهم حتى أخلوا كثيرا من البلاد والمدن المجاورة لهم من غربي الجبل ، وحديث سد ذي القرنين المبني عليهم ، وأكثر تلك البلاد خالية لا ساكن بها لكثرة جبالها وغزر مياهها ووحشة أرضها ، فلما طغت يأجوج ومأجوج وغلبوا وأكثروا الفساد في الأرض ، شكي أمرهم إلى الإسكندر ، فلما قصد أرضهم اختبرهم فوجد منهم أمما عمّ خيرهم وقلّ ضررهم هاجروا إلى الإسكندر قبل أن يلحق أرضهم وتبرأوا له مما يفعل إخوانهم يأجوج ومأجوج ، وشهد كثير من القبائل لهم بذلك وأنهم لم يزالوا أبد الدهر يطلبون السّلامة ، فتركهم الإسكندر خارج السدّ وأقطعهم تلك الأرض ، فسمّتهم العرب تركا ؛ لأنهم ممن ترك الإسكندر من يأجوج ومأجوج وأسكنهم خلف السدّ ، فقرّوا في تلك الأرض ، فجميع أصناف الترك ، وهم أمم كثيرة ، تركهم الإسكندر خلف الردم فانتشروا في الأرض وعمروها وكثرت أنسابهم ، وأكثرهم مجوس وعبّاد نيران ، والغالب عليهم الجفاء وغلظ النفوس وقلة الانقياد ، وهم بالجملة طائعون لأولي الأمر منهم ، وفيهم صرامة لازمة وحمية في طلب الثأر وجبايات الأقطار . فأمّا السدّ ، فقال وهب بن منبه : إن ذا القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين ، وهو في منقطع أرض الترك مما يلي الشمال ، فذرع ما بينهما فوجده مائة فرسخ ، فحفر له أسا حتى بلغ إلى الماء ثم جعل عرضه خمسين فرسخا وجعل حشوه الصخور وطينته النحاس يذاب ويصب عليه ، ثم علاه على الأرض بزبر الحديد والنحاس المذاب ، وجعل لذلك عمدا من النحاس الأصفر فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد . ولمّا بعث عمر « 2 » بن الخطّاب رضي اللّه عنه ، سراقة بن عمرو إلى الباب ، بعد أن ردّ أبا موسى رضي اللّه عنه مكانه إلى البصرة ، وجعل عمر على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة ، وكان من فتح الباب ما كان ، فحدّث مطر بن ثلج التميمي ، قال : دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهربراز وهو كان صاحب الباب عنده ، فأقبل رجل عليه شحوب « 3 » حتى جلس إلى شهربراز فتسارّا ، ثم إن شهر براز قال لعبد الرحمن : أيّها الأمير ، أتدري من أين جاء هذا الرجل ؟ هذا رجل بعثته منذ سنتين « 4 » نحو السدّ لينظر لي ما حاله ومن دونه ، وزوّدته
هامش
( 1 ) انظر تفسير القرطبي 11 : 62 ، والثعلبي : 365 ؛ وفي قصة « يأجوج ومأجوج » اجمالا تراجع كتب التفسير المتعلقة بالآيات التي تذكر السد وذا القرنين من سورة الكهف ، وكتاب التيجان ، وقارن بياقوت ( سد يأجوج ومأجوج ) . ( 2 ) الطبري 1 : 2669 . ( 3 ) الطبري : شحوبة . ( 4 ) الطبري : سنين .