تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
وفرّ اليسع ، فقتله جمع من رعيته لحقد كانوا يجدونه له ، ووصل الداعي إلى عبيد اللّه فاستخرجه من سجنه وكسر كبله بيده وأركبه بغلته وكساه برنسه ، وقال لهم : هذا مولاي الإمام ومولاكم ، ثم استخرج ولده أبا القاسم من السجن وأركبه بغلة أخيه أبي العباس ، وقال لأهل سجلماسة : لا يحل لكم أن تستوطنوا بلدا امتحن فيه الإمام ، ففزعوا منه فخرجوا ، فلما خرجوا أمر بسلبهم ، ففتّشوا كلهم رجالا ونساء وأخذ أموالهم وصرفهم ، وقيل : إنه تحصل له من التبر والحلي وقر عشرين جملا أدخلها رقادة ، وبايع بها لعبيد اللّه ، وأدخله القيروان وبنى له المهدية ، فكان عبيد اللّه يتساكر ويقتل جواريه ويرمي بهن خارج القصر ، وأظهر مذهبه الذي يزعم الشيعة أنه مذهب أهل البيت ، فأنكر كتامة ذلك واجتمعوا مع الداعي وأخيه أبي العباس : فقال لهم الداعي : إن الدعاء لأهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واجب ، والإمام المهدي حق والزمن مجهول عندي ، وكنت ارتبت في والد عبيد اللّه [ فكيف لا أرتاب فيه ] « 1 » ، فسيروا إليه وقولوا له : إن أبا عبد اللّه وأبا العباس أخاه قد شكا في هذا الخاتم الذي ذكرت أنه بين كتفيك فأره لنا ، فإن لم تعاينوه فشأنكم به ، فلما صاروا إليه وقالوا تلك المقالة ، قال لهم : ألم يعلماكم أنهما أيقنا به ؟ قالوا : نعم ، فقال : الشك لا يزيل اليقين ، ثم التفت إلى صاحب شرطته ، فقال له : يا عروبة « 2 » ايتني برأسيهما ، فمضى إليهما متنكرا ، فقال له أبو عبد اللّه : ما الذي أتى بك يا عروبة ؟ فقال : إن الذي أمرتني بطاعته أمرني بقتلك ، فقتلهما وأتاه في الحين برأسيهما ، فحضره أشياخ كتامة وأمر بالكتب إلى الأمصار أن أبا عبد اللّه أحدث حدثا فطهرناه بالسيف ولم تمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحق عليه ، وتمهد أمر عبيد اللّه الشيعي . وقد أكثر الناس من الاختلاف في دعوة عبيد اللّه ، قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب : إنه عبيد اللّه بن محمد بن أحمد بن عبد اللّه بن ميمون القداح ، وقال الصّولي : والده عبد اللّه ابن سالم بن عبدان الباهلي ، وجده سالم صلبه المهدي العباسي على الزندقة على ما قاله الذين فحصوا عن أمره ، وأثبت آخرون نسبه . ومات عبيد اللّه بالمهدية سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ، وولي ولده أبو القاسم فأظهر مذهب أهل البيت نسبة إلى جعفر بن محمد الصّادق وإلى علي رضي اللّه عنهما : منه توريث البنت إذا انفردت جميع المال ، وأسقط الرجم على الزاني المحصن ، والمسح على الخفين ، وقول المؤذن : الصلاة خير من النوم ، ونادى في الصبح : حيّ على خير العمل ، والصوم بالعلامة والفطر بها لا بالرؤية ، وأحل المطلقة ثلاثا ، وأسقط أيمان الحرج ، ولا يقيم الحد على المحدود إلا أبواه أو جده أو قريبه ، وأمرهم بجهاد من خالف مذهبهم . وقام عليه أو على ابنه إسماعيل المنصور أبو يزيد مخلد بن كيداد النكار وكان [ على ] مذهب الصفرية في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة فكانت له فتنة عظيمة ، وكان يعمل أكواما من رؤوس المسلمين رعية الشيعة ويأمر المؤذنين فيؤذنون عليها ، وواقف أبا القاسم الشيعي وهزمه وهرب أمامه إلى المهدية واتبعه أبو يزيد حتى ركز رمحه في الباب ، فقال أبو القاسم : لا يعود إليه أبدا ، وأمر بالركوب والخروج إليه ، وأعطى الجند العطاء الجزيل ، فخرجوا يريدون أبا يزيد ، ودارت الحرب بينهم ، وأثخن أبو يزيد بالجراح ، وقبض عليه حيا فأدخل المهدية في قفص حديد وصلب على باب المهدية الذي طعن فيه برمحه ، وكان ذلك على يد ابنه إسماعيل المنصور ابن أبي القاسم ، ودانت للشيعي بلاد المغرب كلها وإفريقية .

السحاب

« 3 » : جزيرة من جزر الهند ، سميت بذلك لأنه ربما طلع من ناحيتها سحاب أبيض يضل المراكب ، فيخرج منها لسان رقيق طويل مع الريح العاصفة حتى يلتصق ذلك اللسان بماء البحر ، فيعلو « 4 » له ماء البحر ويضطرب مثل الزوبعة الهائلة ، فإذا أدركت المركب ابتلعته ، ثم يرتفع ذلك السحاب فيمطر مطرا . وفي هذه الجزيرة تلول إذا مستها النار عادت فضة خالصة ، وفيما يليها من جزائر الواق واق مواضع مقطوعة بالجزائر والجبال فلا يصل السالك إليها لا متناع بلادها وصعوبة مسالكها ، وسكانها مجوس لا يعرفون دينا ولا اتصلت بهم شريعة ، ونساؤهم يكشفن رؤوسهن ويجعلن فيها الأمشاط المتخذة من العاج مكللة بالصدف ، وربما كان في رأس المرأة منهن عشرون مشطا وغير ذلك ، وهم متحصنون بجبالهم لا يصلون إلى أحد ولا يتصل بهم أحد ، ولكنهم يشرفون على البحر ويتطلعون إلى المراكب ، وربما تكلموا معهم بكلام لا يفهم منهم .
هامش
( 1 ) زيادة من الاستبصار . ( 2 ) يرد في رسالة افتتاح الدعوة « غزوية » . ( 3 ) نزهة المشتاق : 32 (OG: 90 ) ، وابن الوردي : 64 . ( 4 ) نزهة المشتاق : فيغلي .