تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروض المعطار في خبر الأقطار — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
فيها كانت الوقيعة الشهيرة للمسلمين على الطاغية عظيم الجلالقة اذفونش بن فرذلند ، بحميد سعي المعتمد محمد بن عباد ، وكان ذلك في الموفي عشرين من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة . وكان السبب في ذلك فساد الصلح المنعقد بين المعتمد وبين الطاغية المذكور بسبب افناء هذه الضريبة ما في أيدي المسلمين من كور [ فإن ] المعتمد اشتغل عن أداء الضريبة في الوقت الذي جرت عادته يؤديها فيه بغزو ابن صمادح صاحب المرية واستنقاذه ما في يديه بسبب ذلك ، فتأخر لأجل ذلك أداء الإتاوة عن وقتها ، فاستشاط الطاغية غضبا وتشطط فطلب بعض الحصون زيادة على الضريبة ، وأمعن في التجني فسأل في دخول امرأته القمطيجة إلى جامع قرطبة لتلد فيه من حمل كان بها حين أشار عليه بذلك القسيسون والأساقفة ، لمكان كنيسة كانت في الجانب الغربي منه معظمة عندهم عمل عليها المسلمون المسجد الأعظم ، وسأل أن تنزل امرأته المذكورة بالمدينة الزهراء ، غربي مدينة قرطبة ، تنزل بها فتختلف منها إلى الجامع المذكور حتى تكون تلك الولادة بين طيب نسيم الزهراء وفضيلة ذلك الموضع الموصوف من الجامع ، وزعم أن الأطباء أشاروا عليه بالولادة في الزهراء كما أشار عليه القسيسون بالجامع ، وسفر بذلك بينهما يهودي كان وزيرا لابن فرذلند ، فتكلم بين يدي المعتمد ببعض ما جاء به من عند صاحبه فأيأسه ابن عباد من جميع ذلك ، فأغلظ له اليهوديّ في القول وشافهه بما لم يحتمله ، فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه ، فأنزلها على رأس اليهودي فألقى دماغه في حلقه وأمر به فصلب منكوسا بقرطبة ، واستفتى ابن عباد الفقهاء لما سكت عنه الغضب عن حكم ما فعله باليهودي ، فبدره الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك لتعدي الرسول حدود الرسالة إلى ما يستوجب به القتل إذ ليس له أن يفعل ما فعل ، وقال للفقهاء حين خرجوا : إنما بدرت بالفتوى خوفا أن يكسل الرجل عما عزم عليه من منابذة العدو ، عسى اللّه أن يجعل في عزيمته للمسلمين فرجا . وبلغ الفنش ما صنع ابن عباد فأقسم بآلهته ليغزونه بإشبيلية ويحصره في قصره ، فجرد جيشين جعل على أحدهما كلبا من مساعير كلابه ، وأمره أن يسير على كورة باجة من غرب الأندلس ، ويغير على تلك التخوم والجهات ثم يمرّ على لبلة إلى إشبيلية ، وجعل موعده إياه طريانة للاجتماع معه ، ثم زحف ابن فرذلند بنفسه في جيش آخر عرمرم فسلك طريقا غير طريق صاحبه ، وكلاهما عاث في بلاد المسلمين ودمّر حتى اجتمعا لموعدهما بضفة النهر الأعظم قبالة قصر ابن عباد . وفي أيام مقامه هناك كتب إلى ابن عباد زاريا عليه : كثر بطول مقامي في مجلسي الذبان واشتدّ علي الحرّ فأتحفني من قصرك بمروحة أروّح بها عن نفسي وأطرد بها الذباب عني ، فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة : قرأت كتابك وفهمت خيلاءك واعجابك وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية في أيدي الجيوش المرابطية تريح منك لا تروّح عليك إن شاء اللّه . فلما ترجم لابن فرذلند توقيع ابن عباد في الجواب أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك ، وفشا في بلاد الأندلس خبر توقيع ابن عباد وما أظهر من العزيمة على إجازة الصحراويين والاستظهار بهم على ابن فرذلند فاستبشر الناس وفتحت لهم أبواب الآمال . وانفرد ابن عباد بتدبير ما عزم عليه من مداخلة يوسف بن تاشفين ، ورأت ملوك الطوائف بالأندلس ما عزم عليه من ذلك فمنهم من كتب إليه ومنهم من شافهه ، كلهم يحذره سوء عاقبة ذلك ، وقالوا له : الملك عقيم ، والسيفان لا يجتمعان في غمد ، فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلا : رعي الجمال خير من رعي الخنازير ، أي ان كونه مأكولا لابن تاشفين أسيرا يرعى جماله في الصحراء خير من كونه ممزقا لابن فرذلند أسيرا يرعى خنازيره في قشتالة ، وكان مشهورا بوثاقة الاعتقاد ، وقال لعذاله ولوّامه : يا قوم أنا من أمري على حالين : حالة يقين وحالة شك ، ولا بدّ لي من إحداهما ، أما حالة الشك فاني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى ابن فرذلند ففي الممكن أن يفي لي ويبقي عليّ ويمكن ألا يفعل ، فهذه حالة شك ؛ وأما حالة اليقين فهي اني ان استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي اللّه ، وان استندت إلى ابن فرذلند أسخطت اللّه ، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة فلأي شيء أدع ما يرضي اللّه وآتي ما يسخطه ؟ وحينئذ أقصر أصحابه عن لومه . فلما عزم خاطب جاريه : المتوكل عمر بن محمد صاحب بطليوس وعبد اللّه بن حبوس بن ماكسين الصنهاجي صاحب غرناطة يأمرهما أن يبعث إليه كل واحد منهما قاضي حضرته ، ففعلا ، ثم استحضر قاضي الجماعة بقرطبة أبا بكر عبيد اللّه بن أدهم وكان أعقل أهل زمانه . فلما اجتمع القضاة عنده بإشبيلية ، أضاف إليهم وزيره أبا بكر بن زيدون وعرفهم أربعتهم أنهم رسله إلى يوسف بن تاشفين ، وأسند إلى القضاة ما يليق بهم من وعظ يوسف وترغيبه في الجهاد ، وأسند إلى ابن زيدون ما لا بدّ منه في تلك السفارة من إبرام العقود السلطانية . وكان يوسف بن تاشفين