فلا يصح الاعتماد على كل ما يقولون ويكتبون وينشرون ، إذ من المحتمل جدا أن
تكون هذه الكتب دعايات والواقع عندهم غيرها . هذا ما نسمعه منهم مرة بعد
مرة ، ويكرره الكاتب الباكستاني " إحسان إلهي ظهير " في كتبه السقيمة التي
يتحامل بها على الشيعة .
ولكن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أن مجال التقية إنما هو في حدود القضايا
الشخصية الجزئية عند وجود الخوف على النفس والنفيس ، فإذا دلت القرائن على
أن في إظهار العقيدة أو تطبيق العمل على مذهب أهل البيت - يحتمل أن يدفع
بالمؤمن إلى الضرر يصبح هذا المورد من مواردها ، ويحكم العقل والشرع بلزوم
الاتقاء حتى يصون بذلك نفسه ونفيسه عن الخطر . وأما الأمور الكلية الخارجة
عن إطار الخوف فلا تتصور فيها التقية ، والكتب المنتشرة من جانب الشيعة داخلة
في هذا النوع الأخير ، إذ لا خوف هناك حتى يكتب خلاف ما يعتقد ، حيث لم يكن
هناك لزوم للكتابة أصلا في هذه الحال ، فله أن يسكت ولا يكتب شيئا .
فما يدعيه هؤلاء أن هذه الكتب دعايات لا واقعيات ناشئ عن عدم معرفتهم
بحقيقة التقية عند الشيعة .
والحاصل : أن الشيعة إنما كانت تتقي في عصر لم تكن لهم دولة تحميهم ، ولا
قدرة ولا منعة تدفع عنهم الأخطار . وأما هذه الأعصار فلا مسوغ ولا مبرر للتقية
إلا في موارد خاصة .
إن الشيعة - وكما ذكرنا - لم تلجأ إلى التقية إلا بعد أن اضطرت إلى ذلك ، وهو
حق لا أعتقد أن يخالفها فيه أحد ينظر إلى الأمور بلبه لا بعواطفه ، إلا أن من
الثوابت الصحيحة بقاء هذه التقية - إلا في حدود ضيقة - تنحصر في مستوى
الفتاوى ، ولم تترجم إلا قليلا على المستوى العملي ، بل كانوا عمليا من أكثر الناس
تضحية ، وبوسع كل باحث أن يرجع إلى مواقف رجال الشيعة مع معاوية وغيره
أضواء على عقائد الشيعة الإمامية — صفحة 422
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٢٢