المن - زهة ، متجلية في أسمائها وصفاتها وأفعالها ، ومن شهد الموجود بهذا الشهود علماً وكشفاً قال بترك المقام « 1 » ، وإلا لزم مقامه « 2 » . كتب الشيخ : « والمقام ليس إلا للتمييز ، وما ثم الا واحد ، فعمن يتميز ، فلا مقام بل هوية أحدية فيها صور مختلفة » « 3 » .
إلى أن ينتهي به الأمر إلى القول بمقام ( اللامقام ) وهو من خصائص الإنسان الكامل الذي تحقق بجميع المقامات إيجاباً وسلباً فلا مقام له يحكم عليه . وقد عرف الشيخ الكمال بقوله : « التن - زه عن الصفات وآثارها » « 4 » . مشيراً بذلك إلى عدم التقيد بنعت مقام أو حال ، ولعل هذا الوصف هو الذي يؤهل صاحبه للظفر بالعبودية المحضة لله تعالى ، التي تحرره من حكم كل ما سوى الله .
ويذكر ابن عربي ما يقارب ستين مقاماً في باب المعاملات ، منها ثلاثون مقاماً بترك ، كالتوبة وترك التوبة ، والمجاهدة وترك المجاهدة ، والورع وترك الورع ، والزهد وترك الزهد ، والخوف وترك الخوف ، والرجاء وترك الرجاء ، والحزن وترك الحزن ، والخشوع وترك الخشوع ، والتوكل وترك التوكل ، والشكر وترك الشكر ، واليقين وترك اليقين ، والصبر وترك الصبر ، والمراقبة وترك المراقبة ، والرضا وترك الرضا ، والعبودية وترك العبودية . . . إلى أن ينتهي إلى الكرامات وتركها « 5 » .
وإن ما يعنينا في هذا كله ، الإشارة إلى أن ابن عربي قد استطاع الوصول بالمقامات والأحوال إلى الذروة من ناحية المبنى والمعنى ناظراً إليهما نظرة شمول وإحاطة ، ورابطاً إياهما برؤيته للوجود الواحد الحق ، الظاهر في المراتب والصور اللامتناهية ، دون أن يمس وحدته أدنى خدش .
هامش
( 1 ) - قد يتبادر إلى الذهن ان ترك المقام قد يعني ترك التكليف ، وهذا المعنى يحذر منه الشيخ ابن عربي بشدة ، وينبه لسقمه بقوله في مقام ترك الورع ( ولست اعني بقولي ترك الورع ان صاحبه يتناول الحرام ، أو الشبهة بعد ما علمه بذلك ، هذا لا يقول به أحد ، وانما صاحب هذا المقام يتناول الأشياء بحسب ما خاطبه به الشرع ، فلا يأكل الا حلالًا ، ولا يتصرف الا حلالًا . . . ) الشيخ ابن عربي الفتوحات المكية - ج 2 ص 28 .
( 2 ) - الشيخ ابن عربي الفتوحات المكية - ج 2 ص 143 .
( 3 ) - المصدر نفسه - ج 4 ص 28 .
( 4 ) - المصدر نفسه - ج 2 ص 129 .
( 5 ) - المصدر نفسه - ج 2 ص 375 139 .