حاول الشيخ الأكبر أن يبسط معضلة الوحدة والكثرة المتشاجرة بصورة تمثيلية ( الرائي والمرائي ) ، الحق واحد تتعدد صوره في المرائي ، فالمرائي مظاهر لظاهر واحد هو الحق .
إذن الحقيقة الوجودية واحدة تتعدد صورها وتجلياتها ومظاهرها ومرائيها ، فهذه الكثرة هي كثرة اعتبارية لا مستنداً حقيقياً لها أي لا وجوداً حقيقياً لها . فالحق واحد يتكثر في مراتب التجلي وفي المرائي . فتفاضل المرائي منشأ الكثرة المشهودة في العالم : فمرآة الإنسان أفضل من مرآة العالم ، وهي بذاتها تتفاضل فيما بينها لتفسح المجال في قمة التفاضل للمرآة المحمدية .
يقول ابن عربي قدس الله سره : « . . . إن الإنسان هو الكون بأسره من حيث ثمرته ، وهو سره من حيث انفراده عنه ؛ لأنه مرآة تجلي الحق بظهور أسمائه وصفاته . . . إذ لا يتم التجلي التام الكامل بكل الأسماء جملة إلا بوجود آدم ، أعني نوع الإنسان . . . » « 1 » .
ويقول : « . . . فإن الأنبياء ( عليهم السلام ) أعدل مرآة منك ( العبد ) ، ثم لتعلم أن الأنبياء قد فُضِّل بعضهم بعضاً ، فلابد من أن يكون مرائيهم متفاضلة ، وأفضل المرائي وأعدلها وأقومها مرآة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، فتجلي الحق فيها أكمل من كل تجل يكون ، فاجهد أن تنظر إلى الحق المتجلي في مرآة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، لينطبع في مرآتك فترى الحق في صورة محمدية ولا تراه في صورتك » « 2 » .
المرآة رمز ذو دلالات وإيماءات :
أولًا : يضع ابن عربي وجهي الحقيقة الواحدة ( حق خلق ) في تقابل ترائي :
الحق / مرآة الخلق .
الخلق / مرآة الحق .
ونلاحظ أن المرأة في إضافتها إلى الخلق تأخذ بعداً عرفانياً ، وفي إضافتها إلى الخلق تأخذ بعداً انطلوجياً .
هامش
( 1 ) - الشيخ ابن عربي بلغة الغواص ق 12 .
( 2 ) - الشيخ ابن عربي الفتوحات المكية - ج 4 ص 433 .