ثم رأى بناءً على ما ساق من أدلة نقلية ، أنه لا دليل شرعي على تحريم السماع وما يتضمنه من إنشاد أو ضرب بالدفوف والطبول البتة ، بل على العكس من ذلك فقد دلت النصوص على إباحته .
وأما القياس فقد ذهب فيه إلى ما خلاصته : أن أصوات الطيور الجميلة كالعندليب والقمارى وغيره إنما هي أصوات موزونة متناسبة المطالع والمقاطع بطبيعتها التي خلقها الله تعالى عليها ، وهذه الأصوات هي الأصل في صنع الآلات الموسيقية ، إذ ما من شيء توصل أهل الصناعات بصناعاتهم إلى تصويره إلا وله مثال في الخلقة التي استأثر الله سبحانه وتعالى باختراعها وسماع أصواتها يستحيل أن يحرم لكونها طيبة أو موزونة بطبعها ، فلا ذاهب إلى تحريم سماعها ، ولا فرق بين حنجرة وحنجرة ، ولا بين جماد وحيوان ، فينبغي أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام باختيار الآدمي ، كالذي يخرج من حلقه أو من القضيب والطبل والدف وغيره .
فكل آلة يستخرج منها صوت مستطاب موزون سوى ما يعتاده أهل الشرب كشاهين الرعاة ، وشاهين الطبالين ، وكالطبل والقضيب ، فباقي على أصل الإباحة قياساً على أصوات الطيور وغيرها . قال الله تعالى :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
« 1 » ، فهذه الأصوات لا تحرم .
بل لقد ذهب الإمام أبو حامد الغزالي إلى أن الذي لا يتأثر بالسماع ، ولا يتحرك : ناقص مائل عن الاعتدال ، بعيد عن الروحانية ، زائد في غلظ الطبع والكثافة على الجمال والطيور بل على جميع البهائم ، فإن جميعها تتأثر بالنغمات الموزونة ، ولذلك كانت الطيور تقف على رأس داود عليه السلام لاستماع صوته .
آثار الدف والطبلة ونحوهما في القلب
ذكر الإمام أبو حامد الغزالي : أن للاعتياد على استماع هذه الآلات مشتركة مع
هامش
( 1 ) - الأعراف : 32 .