هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يفعله ، فإنه ( صلى الله عليه وسلم ) إنما كان يفعله في نادر
من الأحوال لمصلحة وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته ، وهذا لا منع قطعا ، بل هو
سنة مستحبة إذا كان بهذه الصفة ، فاعتمد ما نقلناه عن العلماء وحققناه في هذه الأحاديث
وبيان أحكامها ، فإنه مما يعظم الاحتياج إليه ، وبالله التوفيق .
( باب الشفاعة )
إعلم أنه تستحب الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم من أصحاب الحقوق والمستوفين
لها ما لم تكن شفاعة في حد أو شفاعة في أمر لا يجوز تركه ، كالشفاعة إلى ناظر على
طفل ، أو مجنون أو وقف أو نحو ذلك في ترك بعض الحقوق التي في ولايته ، فهذه
كلها شفاعة محرمة تحرم على الشافع ويحرم على المشفوع إليه قبولها ، ويحرم على
غيرهما السعي فيها إذا علمها ، ودلائل جميع ما ذكرته ظاهرة في الكتاب والسنة وأقوال
علماء الأمة ، قال الله تعالى : ( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ، ومن يشفع
شفاعة سيئة يكن له كفل منها ، وكان الله على كل شئ مقيتا ) * [ النساء : 85 ] .
المقيت : المقتدر والمقدر ، هذا قول أهل اللغة ، وهو محكي عن ابن عباس
وآخرين من المفسرين . وقال آخرون منهم المقيت : الحفيظ ، وقيل المقيت : الذي
عليه قوت كل دابة ورزقها ، وقال الكلبي : المقيت المجازي بالحسنة والسيئة ، وقيل :
المقيت : الشهيد ، وهو راجع إلى معنى الحفيظ . وأما الكفل فهو الحظ والنصيب ، وأما
الشفاعة المذكورة في الآية ، فالجمهور على أنها هذه الشفاعة المعروفة ، وهي شفاعة
الناس بعضهم في بعض ، وقيل : الشفاعة الحسنة : أن يشفع إيمانه بأنه يقاتل الكفار ، والله
أعلم .
999 - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي موسى الأشعري رضي الله
عنه قال : " كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال : اشفعوا تؤجروا ،
ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب " .
وفي رواية " ما شاء " وفي رواية أبي داود " اشفعوا إلي لتؤجروا ، وليقض الله على
لسان نبيه ما شاء " وهذه الرواية توضح معنى رواية الصحيحين .
1000 - وروينا في " صحيح البخاري " عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة
بريرة وزوجها قال : قال لها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " لو راجعتيه ؟ قالت : يا رسول الله تأمرني ؟ قال :
إنما أشفع ، قالت : لا حاجة لي فيه " .
الأذكار النووية — صفحة 327
مساهمون: النووي
ص٣٢٧