تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
إن أوضح نص شرعي يكشف حقيقة المرتبة الوسطية للمحبة ومدى تأثيرها في حياة المريد الروحية هو قوله تعالى : ( لا يزال عبدي يتقرب ألي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ) « 1 » الحديث . والملاحظ في هذا الحديث انه نص على مراتب ثلاث : الأولى : مرتبة العبادة النفلية . الثانية : مرتبة المحبة . الثالثة : مرتبة الفناء في حضرة المحبوب . ومن المعروف أن لكل شيخ طريقة صوفية ، منهج تعبدي نفلي خاص به وبطريقته ، استنبطه من القرآن الكريم ، وأُذن له بالعمل به وتلقينه لمريديه ، وفي طريقتنا الكسنزانية يقوم هذا المنهج على الذكر الكثير آناء الليل وأطراف النهار بأقسامه الثلاث : اللساني والقلبي والعملي . فعندنا أن الذكر هو الحجر الأساس الذي يوصل إلى محبة المذكور ، فمن أكثر من ذكر شيء أحبه ، ولهذا جاء منهج الطريقة بأعداد كبيرة جداً من الأذكار والأوراد المأذون بها لمريدي الطريقة ، لأنها بالنسبة لهم النافلة التي يبتغون من ورائها الحصول على المحبة . إذاً بداية الطريق عندنا الذكر الكثير الدائم ، وذلك لأنه يجلو القلب بل يجلو الجوانح والجوارح كلها ويجعلها مستعدة لاستفاضة الإشعاعات النورانية للمحبة ، ولا يزال المريد يتقرب بهذه النافلة حتى تغمره تلك الإشعاعات على قدر ذكره وصفائه ، وعلى قدر قابليته واستعداده . إنها أنوار غير منفصلة عن مصدرها تمد من تنزل فيه بحلاوتها فتجعله يشعر بالقرب الروحي من نور السماوات والأرض ، بل وتجعله يلمس ذلك ويتذوقه ، ويرى من خلالها رأي العين الكثير من الحقائق الغيبية التي لا يراها ولا يشعر بها ولا يطلع عليها إلا المحبين خاصة .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ج : 5 ص : 2384 برقم 6137 .