والطيبات من الرزق تريد بذلك تغنياً أو مباهاة أو رياء علمتُ أنها خلطت حراماً بحلال فضيعت الشكر ، وإنما رزقت لتشكر لا لتكفر ، فلما علمت سوء أدبها منعتها ، حتى إذا ذلت وانقمعت ، ورآني ربي مجاهداً في ذاته حق جهاده ، هداني سبيله كما وعد اللَّه تعالى : (
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
) « 1 » فصرت عنده بالمجاهدة محسناً فكان اللَّه معي ، ومن كان معه اللَّه فمعه الفئة التي لا تغلب ، والحارس الذي لا ينام ، والهادي الذي لا يضل ، وقذف في القلب نوراً عاجلًا في دار الدنيا حتى يوصله إلى ثواب الآجل ، وتجافى عن دار الغرور فغاب عن قلبه البغي والرياء والسمعة والمباهاة والفخر والخيلاء والحسد ، لأن ذلك إنما كان أصله من تعظيم الدنيا وحلاوتها في قلبه ، وحبه لها ، وكان سبب نجاته من هذه الآفات برحمة اللَّه رياضته هذه النفس بمنع الشهوات منها « 2 » . وقد تسرع بعض الناس فزعموا جهلًا في مجاهدته ينحدر من أصل بوذي أو إبراهيمي ويلتقي مع الانحرافات الدينية في النصرانية وغيرها التي تعد تعذيب الجسد طريقاً إلى إشراق الروح وانطلاقها ، ومنهم من جعل التصوف امتداداً لنزعة الرهبنة التي ظهرت في ثلاثة رهط سألوا عن عبادة رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم فلما أخبروا عنها كأنهم تقالوها فقال أحدهم : أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر ، وقال الثاني : أما أنا فأقوم الليل ولا أنام ، وقال الثالث : أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج . ولما عرض أمرهم على رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم صحح لهم أفكارهم ، وردهم إلى الصراط المستقيم والنهج القويم « 3 » . والجواب على ذلك أن التصوف لم يكن في يوم من الأيام شرعة مستقلة ولا ديناً جديداً ، ولكنه تطبيق عملي لدين اللَّه تعالى واقتداء كامل برسوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم ، وإنما سرت الشبهة عن هؤلاء المتسرعين لأنهم وجدوا في التصوف اهتماماً بتزكية النفس وتربيتها وتصعيدها ومجاهدتها على أسس شرعية ضمن نطاق الدين الحنيف ، فقاسموا تلك الانحرافات الدينية على التصوف قياساً أعمى دون تمحيص أو تمييز ، غائبين عن مواقف المجاهدة العظيمة التي مر بها رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم وصحابته الكرام مما لو سمع
هامش
( 1 ) العنكبوت : 69 .
( 2 ) الحكيم الترمذي - كتاب الرياضة وآداب النفس - ص 124 .
( 3 ) أخرجه البخاري ( 4776 ) ومسلم ( 1401 ) .